2 -إن استقلال النساء بمعايشهن واضطلاعهن بشؤونهن الاقتصادية قد جعلهن في غنى عن الرجالأ. والمبدأ القويم -أن يكسب الرجل وتدبر المرأة شؤون البيت- قد تبدل وأخذ مكانه رأي جديد، هو أن يكسب الرجل والمرأة كلاهما، والبيت تُفوّض شؤونه إلى الفنادق والشركات. فلم يبق بعد هذا الانقلاب بينهما من صلة ترغّبهما في العشرة البيتية وتجبرهما على الحياة الزوجية المشتركة غير صلة الشهوات وغرائز النفس الحيوانية. ومن الظاهر أن مجرد إطفاء أوار الشهوة البهيمية ليس بأمر يضطرّ الرجل والمرأة إلى أن يتعاشرا في بيت واحد، مقرونين في نير الرابطة الزوجية الأبدية. فالمرأة التي تكسب عيشها بيمينها، وتقوم بجميع وظائفها بنفسها، ولا تحتاج في حياتها اليومية إلى راع يرعاها أو نصير يُعينها، ما لها تلازم رجلا بعينه لإخماد نار شهوتها فقط؟ وما لها ترهق نفسها بأعباء خلقية وأثقال قانونية في غير طائل؟ ولماذا تتحمّل تبعات الأسرة والمنزل؟ وإذا كانت فكرة المساواة الخلقية قد أزالت جميع العقبات والعراقيل التي كانت عسى أن تعترضها في سلوك طريق الدعارة والفجور، فلماذا تتنكّب الطريق الأيسر والسبيل الممهّدة المشحونة بأفانين البهجة واللذة؛ وتسلك الجادّة العتيقة البالية المحفوفة بالمكاره والتبعات والتضحيات؟ أما ما كان عسى أن يحيك في صدرها من شعور بالإثم والمعصية، فقد ذهب بذهاب الدين وتقلّص ظلّه، وأما خشية المجتمع، فلا وجه لها ولا داعي إليها، لأنه بدل أن يلومها ويؤنّبها على غوايتها وعهرها، قد عاد يتلقّاها بالبِشْر والترحاب. وآخر ما كانت تخافه هذه وأخواتها هي المولود النَغْل الذي تلده من فاجر مغمور، ولكن قد أذهب عن نفسها هذا الخوف ما ابتُكر أخيرًا من أساليب التخلّص منه. وأولها تدابير منع الحمل. فإن أخفقَتْ، فلا بأس بإسقاط الجنين. وإن لم يتحقق، فلا حرج في قتل المولود من وراء الجدران، في جنح الظلام، وإن أبت عاطفة الأمومة ويا لها من عاطفة خبيثة لا تكاد تموت على كل هذا الرقي والتمدن -قتل المولود، فلا لوم على الفتاة في كونها أمًا لابن زنية. لأنهم قد قضوا الوطر من الدعاية لتكريم (الأم العذراء) و (ولد الحرام) ، وقد بلغ من تأثيرها في النفوس أن المجتمع الذي يتجرأ على ازدرائهما والحط من شأنهما، لا جرم أن يبوء هو نفسه بتهمة الرجعيّة وحكم التخلّف والجمود.
هذا هو الذي قد أتى بنيان المجتمع الغربي من القواعد وزلزل كيانه زلزالًا. ففي كل قد من أقطارهم ترى مئات الألوف من الفتيات والنساء عوانس، يرتَدْن موارد الفحشاء والشهوات من غير تحفّظ ولا خجل. وتفوقهن في كثر العدد اللائي يتزوّجن في سَوْرة من عاطفة الحب العارضة، ولكنها لما لم يبق بين الرجل والمرأة من صلة -غير صلة المتعة الجنسية- تُحوج أحدهما إلى الآخر، وتجبرهما على العشرة الزوجية المستمرة، قد عادت أمثال هذه الأواصر الزوجية كأوهن ما يكون من الأمور. فالزوج والزوجة اللذان قد استغنى كل واحد منهما عن صاحبه، لا يرضيان بأن يراعي أحدهما مصلحة الآخر، أو يجامله ويداريه في شأن من شؤونهما. أما عواطف الحب والغرام المنبعثة من الشهوة البهمية، فلا تلبث أن تخفّ سورتهما وتخمد نارها. ثم لا يكون بينهما إلا نزاع طفيف أو اختلاف تافهة، حتى تنصرم بينهما الأسباب. وقد يكون انطفاء جذوة الحب بينهما وحده سببًا كافيًا لافتراقهما. ومن ذلك ترى أن الأواصر الزوجية عندهم يؤول أمرها إلى طلاق أو فرقة. وهذه الحال الراهنة هي السبب في شيوع المفاسد من منع الحمل وإسقاط الأجنّة وقتل الأولاد وانخفاض تناسب المواليد وكثرة أولاد النغول، وكذلك لها يد وأي يد في انتشار الفاحشة والخلاعة وازدياد الأمراض السريّة الفتّاكة.