الصفحة 19 من 26

فبدأ الأمر بكفر الإنسان بالله ومنه الكفر بقضائه وقدره، ومنه ظن الكافر أنه هو الذي يصنع حياته ويصرفها برغبته، وإن كان متسلطًا على الخلق ظن أنه يؤثر بذاته في معيشتهم ويصنع حياتهم فهو يأمر فيطاع ويحكم فيستبد ويتصرف بالهوى دون معارضة أو مراقبة وهو الذي يتصرف في مقدرات الناس دون منازع وهو الذي يعلو في الأرض ويستكبر على الأتباع كما قال فرعون: {أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون} [الزخرف: 51] . وقال: {ما أريكم إلا ما أرى} [غافر: 29] . ثم قال: {ياأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] .

ولكن المؤمن لايبالي بمثل هؤلاء الناس فيواجههم بقوة وصراحة كما فعل الجليس مع الملك. فقال له: (ربي وربك الله) فنجد في رده نفيًا لربوبية الملك المدعاة من خلال إثبات ربوبية الله وحده على الملك حيث إنه ليس هناك رب لرب وبذلك يكون الجليس قد سوى بين الملك والناس في عبوديتهم لله سبحانه ولم يكن الجليس ليستطيع هذه المواجهة إلا إذا خالط قلبه بشاشة الإيمان لأنه حينما يكون ذلك، تكون الثقة والطلاقة والقوة، وهؤلاء هم سحرة فرعون يسجدون لله بعد أن علموا أن موسى رسول الله وليس ساحرًا فيهددهم فرعون قائلًا: {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه:71] .

فيردون عليه قائلين: {فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا} [طه: 72] .

وهكذا أيضًا تعامل الملك مع الجليس (فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام) لم يقتله فورًا حتى يكشف بقية الجماعة.

(فجىء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل ما تفعل؟) .

الملك الطاغوت يقول: (أي بني) كلمة كلها مكر وخبث وضغط على نفس الغلام، وإغراء له بالقرب منه بما يتضمن هذا القرب من مستقبل زاهر وحياة مترفة، ويقول الملك: (قد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل ما تفعل؟) وقد حاول الملك بهذه العبارة أن يسرق ما كسبه الغلام من تقدير في نفوس الناس بأن يعود بتفسير أعمال الغلام إلى السحر الذي تعلمه من ساحر الملك الذي أتى الملك إليه بالغلام، وهذا ما يصنعه الذين لايريدون الاعتراف بالحق فيفسرونه بأي شيء غير الحق، وهذا ما فعله فرعون لما هزمه موسى فقال: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} [طه:71] .

ولما ناقشه موسى في قضاياه ومسلمات حياته بجرأة وحزم: {قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} [الشعراء: 27] .

وهذا مافعله أيضًا المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما رأوه ينفي الألوهية عن أصنامهم بجرأة وقوة قالوا: {معلم مجنون} [الدخان: 14] .

ولما رأوه يواجههم بالبلاغة القرآنية قالوا: {شاعرٌ نتربص به ريب المنون} [الطور: 30] .

ولما رأوا الصحابة واثقين في دعوتهم قالوا: {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49] .

والملاحظة الدقيقة في تفسير أصحاب الباطل للحق بغير الحق هي شرط أن يكون هذا التفسير مقبولًا عند الناس.

ومن هنا كان تفسير المعجزة بالسحر والجرأة بالجنون والبلاغة بالشعر والثقة بالغرور ولذلك عقدت قريش مؤتمرًا نراها فيه تحاول محاولة دقيقة للاتفاق على الوصف الذي سيصفون به الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن بحيث تراعي فيه هذه الشروط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت