الصفحة 8 من 60

فالشدة التي جوزها الشارع أحيانًا مع بعض العصاة والمخالفين الذين لم يخرجوا من دائرة التوحيد هي شدة إلى حد معين عاقبتها محمودة، وقد وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالشدة التي تلجأ إليها أحيانا إحدى اليدين لإزالة الأوساخ عن اليد الأخرى، فليس المراد بالشدة إتلاف اليد، بل تنظيفها، ولذلك يحمد العقلاء هذه الشدة ولا يذمونها، كما يتجرع المريض الدواء ويحتمل مرارته لمعرفته بالمصلحة المترتبة على تلك المرارة، فما دام هجران المخالفين المنحرفين عن جادة الصواب من الموحدين، تندرج تحت هذا الأصل، وما دامت الشدة عليهم لتعليمهم وأطرهم على الحق بعيدة عن الغل والحسد والعداوة والبغضاء التي مبعثها الهوى والحزبية المقيتة، وما دامت في الله ولله فلا حرج منها ...

فالزجر بالهجر من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم المهجورة في هذا الزمان، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه: (إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث توبة) [2] ، وهجر صلوات الله وسلامه عليه المخلفين الثلاثة عن غزوة تبوك وأمر المسلمين بهجرهم حتى ضاقت عليهم انفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتابوا توبة نصوحا، والحديث رواه البخاري في كتاب المغازي.

وقال الحافظ في"الفتح"عنده: (وفيه ترك السلام على من أذنب وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًا) أهـ.

لكن هاهنا فقه مهم يجب التنبيه إليه؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم هجر من ينفع فيهم الهجر والتشديد وهم من يحبونه ويودونه ويتأثرون بهجره، بخلاف المنافقين الذين كانوا يعتذرون ويحلفون له ليرضوه فما هجرهم ولا شدد عليهم، لأن هؤلاء لا ينفع فيهم الهجر، بل ربما فرحوا به وزادهم انحرافًا ونفورا ...

فتقدر الامور هنا بالمصلحة الشرعية، وقد فصل شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الموضوع في كتابه منهاج السنة النبوية ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت