فهذا كتابٌ مُهمٌّ أوفى عَلى تَجربةٍ قامَت على سُوقِها بَعد نَيِّفٍ وثلاثينَ عامًا، ما بَخِلتُ فيه بشيءٍ مِمَّا أعلَمُ أنَّهُ حقٌّ، يُجْبى إليه مثلُهُ - بالنَّظَر المُتأمِّل، والبَصرِ المُتَعمِّق - مِمَّا يُشبهه، مِمَّا يَجري في حياةِ أُمَّتنا اليَوم، أو مِمَّا سَيَجري فيها من غَدٍ، غيرَ راجٍ به إلاَّ وجهَ الله واليومَ الآخِرِ، فإنْ سألني الله عزَّ وجَلَّ - وهو سائِلُني - هَل نَصحتَ للأُمَّةِ في أمرٍ عَلِمتَهُ، فكان من النَّاسِ حيالَه ظالمٌ لنَفسه، ومُقسطٌ، وسابقٌ بالخَير؟ فيكونُ رجائي أن أكونَ - إن شاءَ الله - مِن السَّابقين بالخَير، والله عندَ حُسن ظَنِّ عَبدِهِ بهِ، إذْ لم أكتُم الأُمَّة شيئًا مِمَّا علمتُهُ حقًَّا فأسديتُ به نُصحًا لها، أو مِمَّا علمتُهُ باطلًا، فكان تحذيرٌ منِّي لها، والله شاهدٌ على ذلك.
وقد جَعَلتُ هذا الكتابَ في عَشرةِ مباحِثَ، بَيَّنتُ فيها منهجَ الدَّعوة السًّلفية (1) ، وشرحتُ فيها قواعِدَها وأُصولَها، وَرَددتُ على المُشكِّكينَ بها، الطَّاعنينَ عليها، وأظهَرتُ ما تُخفيهِ نفوسُهُم من الحَسَدِ والمَكْرِ بها، أو الجَهلِ بِحَقيقتِها، ولَبَّيتُ فيه رَغبةَ الكثيرينَ من إخوانِنا وأصحابِنا، نُصرَةً لحَقٍّ، وكَشفًا لباطلٍ، وذَبًَّا عن دَعوةٍ أقامَها الله على عَمودِ النُّور.
ولا إخالُ مسلمًا إلاَّ وهو في حاجَةٍ إلى هذا الكتاب، مُحبًا كان أمْ باغِضًا، ليزدادَ المُحبُّ حُبًا، ويَعرفَ الباغِضُ أينَ هو بِبُغضِهِ من هذه الدَّعوةِ المبارَكةِ، التي أظَلَّت الدُّنيا زَمانًا، وستُظلُّهُ مُستَقبلًا إنْ شاءَ الله، بأفيائها الظَّليلَةِ إلى أن يَرثَ الله الأرضَ ومَن عليها، وذلك وعدُ الله؛ ولَن يُخلفَ الله وعدَهُ (2) ، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } [سورة الصف: اّية 9] .