إن هذه المقولة، لا يقصدُ بها قائلوها مجرَّد الإخبار بما قَد كان في ظنّهم، بل يُقصد بها الطعنُ على التَّمسك بالأمر العتيق، والنَّعي على من يُلزم نفسه - أفرادًا وجماعات - هَديَ القُرون الأولى، واتِّهامهم بالانغلاق، وضيقِ الأفق والعَطَن، وأنَّهم لا يصلحون لدَعوة النَّاس إلى الإسلام الحق!
فإن كان هذا ما يَرمي إليه أحدٌ من قائلي هذه المقولة فقد -والله- أربى في الظُّلم وأفْقَر (أتى بداهيةٍ كسَرت فَقاره) ، وأتى بما لم يأت الأوَّلون والآخرون، وأمكن لأعداءِ الإسلام أن ينالوا منه - ظلمًا وعُتُوًّا -أكثر مِمَّا نالوا منه من قبل.
فإنَّ ما قَرَّره الشرعُ الحكيم، وبصَّر به النَّاس من أوَّل يوم بدأ نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرى في نهر القرون، عملًا واعتقادًا، وتعليمًا ودعوةً، وتحاكم النَّاس إليه على مَرِّ العصور والأجيال، حتى صارَ فيهم قرارًا وإلفًا ثابتًا، لا يقبلون عنه تحولًا، ولا يَقبلُ هو ذاتهُ عنهم حِولًا، إذ قد انعقَدت بين الأُمَّة المُسلمة، وبينه - أي: ما قرَّره الشرع - آصرةٌ وثيقةٌ، صنعتها فيهم عقيدة التَّوحيد، بنصوص الوَحي المبين، كقوله سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [سورة الشورى: آية 13] .