الصفحة 30 من 291

نعم؛ إنَّ السَّلفية أماطت اللِّثام عن كثير من الحقائق، والأصولِ المذهبيَّة، التي لو عاش قائلوها إلى يومنا هذا لما وسعهم إلاَّ التَّبَرُّءُ منها، وتحذيرُ النَّاس من الأخذ بها، والدَّعوة إليها، فإنَّ أولى الناس باتِّباع الحق، وسلوك طريقه، هم أئمَّةُ المذاهب رحمهم الله.

لذا فإنَّ موقفهم من مذاهبهم - كان موقفَ الحَذِرِ اليَقظِ التَّقيِّ - الذي يعلم علم اليقين أنَّ كلَّ البشر، يُؤخَذ منهم، ويُردُّ عليهم إلاَّ من نزل عليه القُرآن، وبلَّغه النَّاسَ، وكان فيما بلَّغه منه، {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [سورة النساء: آية 59] .

وهم قَد أفضَوا إلى ربِّهم، وخرجوا من الدُّنيا وقد تركوا من ورائهم أقوالًا وكلماتٍ هي أبرُّ بهم من كلِّ قولٍ قالوه من غير دليل، أو بدليلٍ ثمَّ ظهر لهم ثانٍ وثالثٌ، يردُّ قولهم ذاك، إن نظر فيها المنصف، علم أنَّ الحقَّ فيها، على أيِّ لسانٍ أتَت، ومن أيِّ فم خرجت، دليلهم فيها وإليها تقواهم، التي وُهبوا بها العلمَ ووَهبُوهُ، وهُدوا إلى الحقِّ وهَدَوا إليه، ورُفعوا بها في منازل الدُّنيا ورَفعوا إليها، وأوفرُهم في ذلك حظًّا، هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى الحيُّ منهم نفسه متأخِّرًا في العلم والفضل عَمَّن سبقوه إلى ربِّهم، فيقول فيهم ابن مسعود رضي الله عنه:"مَن كان مُستنًَّا فليستَنَّ بمَن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تؤمنُ عليه الفتن، أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبرُّ النَّاس قلوبًا، وأغزرهم علمًا، وأقلُّهم تكلُّفًا" (16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت