-وإما رجلٌ قد تصور المسألة تصورًا تامًا وعرف حقيقة المظاهرة وما يدخل فيها، وعرف مآل القول بتعليق التكفير بها على التصريح القولي بمحبة دين الكفار، ثم أصر -بعد ذلك- على القول بعدم التكفير. فمثل هذا هو الملوث بشبهة إرجاء ولا بد، فالواجب عليه والحال هذه أن يرفع عن نفسه هذه الشبه بتصحيح تصوره للإيمان وعلاقة الإيمان الباطن بالإيمان الظاهر وأثر الاعتقاد على العمل، وبغير هذا التصحيح يغدو البحث عبثًا، ويدخل الراد والمردود عليه في دائرة جدل لا يخرجون منها.
فمن أطلق القول بتعليق التكفير بالمظاهرة على المحبة القلبية التي لا يتوَصَّلُ إلى معرفتها إلا بالتصريح اللساني، وأهدر الفعل الظاهر، فإن مقتضى قوله أن من أعلن بلسانه بغض دين الكفار، ثم حملته الرغبات و الأطماع الدنيوية على أن يلتزم مع أهل الكفرِ قتال كلِّ مسلمٍ موحدٍ، و محو كلِّ حُكمٍ إسلامي، وتحويل دار الإسلام حيثما كانت إلى دار كفرٍ، والتزام معاضدة الكفار على سعيهم في تهديم مساجد المسلمين، وإطفاء شعائر دينهم، لترتفع محلها شعائر الكفر والشرك. فمثل هذا عند من أطلق القولَ بأن المظاهرةَ العملية كلها ذنبٌ وليست كفرًا ينبغي أن يكون مؤمنًا ناقصَ الإيمان، ما لم يعلن بلسانه حبه لدين الكفار. ولعمرو الله إن لم يكن هذا إرجاءً فما في الأرض إرجاء؟
على أني لا أحسب المخالف يلتزم هذا ويقوله، لكني أذكره للتنبيه إلى مآلات قوله، ولبيان خطورةِ مثل تلك الإطلاقات غير المحرَّرة، والتي يغفل قائلها عن مقتضياتها.