الصفحة 38 من 58

فيقال: أما ضرر مقاتلة المؤمنين مع المشركين على إيمان العبد فأعظم من مجرد كلمة يلقيها للكفار، ففي المقاتلة من التغرير بالنفس وتقحم المهالك ما لا يقع ممن جس وخابر، والذي لا شك فيه أن المرء قد يضعف إيمانه إلى مستوى يستسهل معه أن يجس على المسلمين فيلقي كلمة أو يشير لهم بإشارة تنفعهم، لكن أي إيمان في القلب يبقى إذا ترك صفوف المسلمين وانحاز لصفوف أهل الكفر؟! وأين هذا من ذاك؟! ولك أن تتصور مسلمًا يطمع في دريهمات لمعلومة يدلي بها لكن كم من المال يمكن أن يكون دافعًا لإخراج هذا المسلم في جيش الكفار لحرب الإسلام والمسلمين؟ لا شك أنه سيكون أكثر وأوفر وأعظم، ذلك أن هذا إن لم يضن بدينه فسيضن بنفسه أن يعرضها لما يهلكها، فإن فعل وعرضها لذلك فإنما هو لطغيان حب الدينا على فؤاده ونفسه، فصارت أحب إليه من دينه، وأي إيمان يبقى لرجل -وإن أبداه- وهو بفعله حرب لله ورسوله وعباده المؤمنين!! واعتبر في هذا بما جرى من حاطب رضي الله عنه وأرضاه من إفشاء سر النبي صلى الله عليه وسلم فإنك وإن تعقلت أنه مع فضله وإيمانه قد زل هذه الزلة فإنك لا تتصور منه -مع ذلك- أن يُقدم على مقاتلة النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك لحفظ أهله وصيانتهم، وأن إيمانه مانع له من هذه المقاتلة وإن وقعت منه تلك الزلة والعثرة رضي الله عنه وأرضاه والتي غفرها الله له، فإذا فهمت هذا، وتعقلت حقيقة التلازم بين الظاهر والباطن، فإنك ولا بد قائل أن إيمان من قاتل مع الكفار -إن بقي له إيمان- دون إيمان من دلهم على عورة للمسلمين، وهذا المعنى الذي جرى التنبيه عليه في قبح المقاتلة مقارنة بقبح الجس نبه عليه أحد أولئك الفضلاء حيث قال في ضمن كلامه: (وكان جواب الإمام الشافعي بأن ما ذكر مما هو من مظاهرة المشركين، وما هو أبلغ منه في المظاهرة، وهو التقدم في نكاية المسلمين، بأن يقاتل المسلمين مع المشركين ليس من الكفر البين) ، بل قال آخر بهذا المعنى مع كون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت