الصفحة 23 من 58

ومن العجيب حقًا أن يأتي هذا الفاضل بعد ذلك فيقول: (ومستند الإمام الشافعي في قصة حاطب رضي الله عنه على أن مظاهرة المشركين ليست من الكفر البين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بكفر حاطب بمجرد ما حصل منه من مظاهرة المشركين، مع أنه لا أحد يمكن أن يأتي في مظاهرة المشركين بأعظم مما فعل حاطب رضي الله عنه، لأن حاطبًا قد ظاهر المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد بعد حاطب يمكن أن تبلغ به المظاهرة إلى هذا الحد، لأن « أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين » ) ويقول: (وإذا لم يكن ما فعله حاطب كفرًا لذاته، مع كونه أظهر ما يمكن أن يكون من مظاهرة المشركين عند الإمام الشافعي، فمن باب أولى ألا يكون ما دون ذلك من مظاهرة المشركين كفرًا لذاته) ، ويقول آخر: (يرى الشافعي هنا أن فعل حاطب هذا من أعظم مظاهر الولاء للكفار، ثم ذكر سبب تعظيمه لهذا المظهر من حاطب رضي الله عنه) . ولي مع هذا الكلام وقفات سريعة:

1-أن ما وقع فيه حاطب موالاة محرمة لا شك في ذلك ولا ارتياب فلو اقتصر أولئك على جعله دليلًا على عدم التكفير بمطلق الموالاة للكفار لكان كلامًا متوجهًا، لكنهم جعلوا النص دليلًا على عدم التكفير بكل صور الموالاة إلا في صورة واحدة ذكروها وأخرجوا المظاهرة -وهي صورة أخص من مطلق الموالاة- من أن تكون كفرًا.

2-أما كون حاطبٍ قد وقع في مظاهرة المشركين على المؤمنين فمحل بحث ونظر، فإنهم يقولون: نعم فعله مظاهرة إذ قد أفشى سر النبي صلى الله عليه وسلم، وأطلع الكفار على أمر فيه مصلحة لهم ونكاية بالمسلمين طلبًا لمصلحة تعود عليه وأهله، ومع ذلك لم يكن كافرًا بصنيعه هذا لأن الباعث له على هذا الفعل تحصيل مصلحة دنيوية ولم يكن الباعث تولي الكفار في دينهم. وهذا التصوير لما وقع فيه حاطب تصوير لا يخلو من أخذ ورد، فمما ينبغي مراعاته وملاحظته في قصة حاطب رضي الله عنه ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت