وذلك أن من أصول أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان القول بتلازم الظاهر والباطن، وأن المعيّن متى ما واقع كفرًا وانتفت عنه موانع التكفير وتوافرت فيه شروطه فهو الكافر في الظاهر والباطن بيقين، ولا يصح والحال هذه أن يقال هو كافر في حكم الظاهر فقط ويمكن أن يكون مؤمنًا في الباطن بل هذا قول مشهور من أقوال المرجئة، أو يقال في مسألتنا أن الكفر فيها من جنس كفر المنافقين الذي تشتمل عليه القلوب فيعاملون بحسب الظاهر لعدم إمكان الإطلاع على المعتقد الباطن ومعرفة الباعث على الفعل بغير تصريح اللسان، فالأمر إذن تخليط في أبواب التكفير وحصر له في قول القلب وعمله لا غير، وبالله عليكم لو أن مسلمًا دُعي إلى إهانة المصحف مقابل مبلغ يُحصله فرفض، فزيد له في السعر فتردد ثم زيد فأقدم وفعل، فإنا لا نشك أنه إنما رفض أولًا لقيام معنى إيماني في قلبه منعه من الإقدام، وتردده بعد الزيادة مستلزم ولا بد ضعف هذا المعنى في باطنه، وإقدامه في النهاية مستلزم ولا بد انعدام أصل الإيمان المنجي، فيقال مثله فيمن قاتل في صف الكفار أهل الإيمان طوعًا باختياره ، أما ادعاء أنه يمكن أن يكون عنده أصل إيمان منجٍ يكون به مؤمنًا في هذه الحال فقول لا يصح على أصول أهل السنة في باب الإيمان بل قائله متعلق بشعبة إرجاء وهذا أمر بيّن لمن تدبره، يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ: (والمرء قد يكره الشرك، ويحب التوحيد، لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم، فيكون متبعًا لهواه، داخلًا من الشرك في شعبٍ تهدم دينه وما بناه، تاركًا من التوحيد أصولًا وشعبًا، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه، فلا يحب ويبغض لله، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسوّاه، وكل هذا يؤخذ من شهادة: أن لا إله إلا الله) [الدرر السنية 8/396] ، ومن تعقل المعنى السابق -من وجود التلازم بين انتصار الرجل للكفار بما يحقق