وفي هذا المدخل الخطير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في"المجموع" (20/140) :"وهذا الورع قد وقع صاحبه في البدع الكبار؛ فإن ورع الخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم من هذا الجنس، تورعوا عن الظلم وعن ما اعتقدوه ظلمًا من مخالطة الظلمة في زعمهم، حتى تركوا الواجبات الكبار، من الجمعة والجماعة؛ والحج والجهاد؛ ونصيحة المسلمين والرحمة لهم، وأهل هذا الورع مما أنكر عليها الأئمة؛ كالأئمة الأربعة، وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة".
ثم بيَّن رحمه الله أن هذا الورع الفاسد لا يصح إلا بعلم كثير، وفقه متين، وحلم رزين؛ فقال في"المجموع" (20/141-142) :
"ولهذا يحتاج المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة، والفقه في الدين، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه؛ كما فعله الكفار وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم".
والورع المشروع - الذي غلط فيه الخوارج وانحرفوا عنه - لا بد أن يكون في فعل الواجبات وترك المحرمات أولًا، ولا بد أن يكون صاحبه موافقًا للسنة ثانيًا، وأن يكون في دائرة الخوف والرجاء ثالثًا، يقول شيخ الإسلام في"المجموع" (20/110-111) :"مثال ذلك: أن الوعيدية من الخوارج وغيرهم فيما يعظمونه من أمر المعاصي والنهي عنها، واتباع القرآن وتعظيمه أحسنوا، لكن إنما أُتوا من جهة عدم اتباعهم للسنة، وإيمانهم بما دلت عليه من الرحمة للمؤمن إن كان ذا كبيرة".
2-…التلازم بين الخطأ والإثم:
من المعلوم أن الكلام في حكم الفاسق الملي هو أول اختلاف حدث في الملة؛ فقالت الخوارج: إنه كافر، وقالوا بـ (( إنفاذ الوعيد ) )ومعناه عندهم: أن فساق الملة مخلدون في النار، لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك؛ ليثبتوا أن الرب صادق لا يكذب؛ إذا كان عندهم قد أخبر بالوعيد العام، فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه، وغلطوا في فهم الوعيد، وجعلوا الإثم وموجبات الوعيد لازمة للخطأ لا تنفك عنه بأي حال.