فسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليست في الفعل فحسب بل هي في الترك أيضًا كما هي في الفعل.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"قف حيث وقف القوم، وقل كما قالوا واسكت كما سكتوا، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى وبالفضل لو كانوا فيها أحرى، أي فلإن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه، ولإن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، وأنهم لهم السابقون ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم مجسر، ولقد قصر عنهم قوم فجفوا وطمح آخرون عنهم فغلوا، فإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم" [1] .
قال في كتاب الإبداع في مضار الابتداع: (ص25 - 26) :"وأما ما تركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تكون بالفعل تكون بالترك، فكلما كلفنا الله تعالى باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في فعله الذي يتقرب به إذا لم يكن من باب الخصوصيات، كذلك طالبنا باتباعه في تركه فيكون الترك سنة."
وكما لا نتقرب إلى الله بترك ما فعل، لا نتقرب إليه بفعل ما ترك، فلا فرق بين الفاعل لما ترك، والتارك لما فعل، لا يقال: كيف ذلك وقد ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - أمورًا فعلها الخلفاء بعده. وهم أعلم الناس بالدين وأحرصهم على الاتباع؟ فلو كان الترك سنة كما تقول لما فعلت الخلفاء أمورًا تركها النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ لأن الكلام مفروض في ترك شيء لم يكن في زمنه - صلى الله عليه وسلم - مانع منه، وتوفرت الدواعي على فعله، كتركه الآذان للعيدين والغسل لكل صلاة، وصلاة ليلة النصف من شعبان، والأذان للتراويح، والقراءة على الموتى، فهذه أمور تركت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - السنين الطوال مع عدم المانع من فعله، ووجود مقتضيها لأنها عبادات والمقتضي لها موجود وهو التقرب إلى الله تعالى والوقت وقت تشيع وبيان للأحكام. فلو كانت دينًا وعبادة يتقرب بها إلى الله تعالى ما تركها السنين الطوال مع أمره بالتبليغ وعصمته من الكتمان، فتركه - صلى الله عليه وسلم - لها ومواظبته على الترك مع عدم المانع ووجود المقتضي ومع أن الوقت وقت تشريع دليل على أن المشروع فيها هو الترك. وأن العمل خلاف المشروع فلا يتقرب به لأن القرب لابد أن تكون مشروعة.
(1) "أعلام الموقعين" (401 - 402) .