وقال شيخ الإسلام بن تيمية:"والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم فإن كلًا من هذين ليس عبادة محضة" [1] .
ومما يدل على أن هذا الحب ركن لا بد منه قول الله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العقاب) [البقرة:165] قال ابن القيم"فأخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة" [2] اهـ.
فإذا تبين هذا علم أن إفراد الله بالمحبة أصل العبادة، وهذا يستلزم أن يكون الحب كله لله ولأجله وفيه [3] .
ويوضح شيخ الإسلام بن تيمية حقيقة حب الله وما يحب لله فيقول:"وكل ما أمر الله أن يحب ويعظم فنما محبته وتعظيمه لله، فالله هو المحبوب المعظم في المحبة والتعظيم، والمقصد المستقر الذي إليه المنتهى، وأما ما سوى ذلك فيحب لأجل الله، أي لأجل محبة العبد لله يحب ما أحبه الله، فمن تمام محبة الشيء محبة محبوب المحبوب وبغض بغيضه، ويشهد لهذا الحديث"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله [4] " [5] اهـ."
وشرط صحة المحبة: المتابعة التي لابد فيها من الصدق والإخلاص. ومما يدل على أن اتباع أمر المحبوب واجتناب نهي لازم للمحبة قول الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران:31] . فجعل الله تعالى اتباعهم لرسوله صلى الله عليه وسلم علامة على صدق محبته لله، وجعل حبه لهم مشروطًا باعتباعهم له، فعلهم بهذا استحالة ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن المحبة مستلزمة للمتابعة [6]
(1) قاعدة في المحبة ضمن"جامع الرسائل" (2 م 284)
(2) مدارج السالكين (3/ 21)
(3) نظر"مدارج السالكين" (1/ 119)
(4) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن مسعود وأحمد في المسند وابن أبي شيبة في الإيمان من حديث البراء وقد حسنه الشيخ الألباني
(5) قاعدة في المحبة ضمن"جامع الرسائل"2/ 287 - 288
(6) انظر"جامع البيان"للطبري (3/ 3/232) و"مدارج السالكين" (1/ 119)