الصفحة 34 من 141

أما الأول فإنه في اللغة عبارة عن التصديق، قال الله تعالى خبرًا عن إخوة يوسف عليه السلام: ?وَمَا أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا? [يوسف: 17] ، أي: بمُصدِّق. وعند المتكلِّمين: هو تصديقُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله. فإنَّ فيه تصديقَ ما يجب التصديقُ به، كالإيمان بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله واليوم الآخر وغير ذلك ممَّا يجب الإيمانُ به على التفصيل، فمَن صدَّق الرسولَ فيما جاء به من عند الله فهو مؤمنٌ بينه وبين الله تعالى (1) ، والإقرارُ شرطُ إجراءِ أحكام الإسلام عليه، هذا هو المرويُّ عن أبي حنيفة رحمه الله (2) ، وإليه ذهب الشيخُ أبو منصور الماتريدي، وأبو الحسن الأشعري (3)

(1) وليس المرادُ بالتصديق هنا العلمَ بصدق الخبر أو المُخبِر من غير إذعان وقبول، وإلا لزم أن يكون كل عالم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، وليس الأمرُ كذلك، لأن كثيرًا من الأحبار والرُّهبان وغيرهم كانوا يعلمون صدق نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يُذعِنوا ويُسلِّموا لِمَا جاء به من عند الله، فلم يؤمنوا، بل إن إبليس كان مُصدِّقًا، ومع ذلك فهو كافرٌ جزمًا، فالإيمان مجموع أمرين: الأول: العلم بصدق الخبر أو المُخبر، والثاني: الإذعان والقبول للخبر أو المُخبِر، وعليه يكون الإيمان من باب العلم ومن باب الكيفيات النفسانية. وانظر «المسامرة بشرح المسايرة» لابن أبي شريف ص352 ــ 353.

(2) ذكر الإمام نحو هذا في «العالم والمتعلم» ص16، وذكر نحو ما في «الوصية» في «الفقه الأكبر» ص65، والأول ــ أي ما في «العالم والمتعلم» ــ مبين، والثاني ــ أي ما في «الوصية» و «الفقه الأكبر» ــ مُجمل، والمجمل محمول على المبين، ولذا اعتمده الماتريدية.

(3) واسمه علي بن إسماعيل بن إسحاق، ولد بالبصرة سنة 260هـ، ومن المشهور أنه بقي على مذهب المعتزلة إلى سن الأربعين، ثم رجع إلى مذهب أهل السنة ورد على المعتزلة حتى صار إمامًا لأهل السنة، وعُرف أتباعه بالأشاعرة، توفي رضي الله عنه ببغداد سنة324 هـ. وما ينسب إليه من أنه تراجع في كتابه «الإبانة» في آخر حياته عن معتقده الذي سار عليه الأشاعرة من بعده هراءٌ لا قيمة له، لأسباب منها: أننا نكاد نجزم بأن كتاب «الإبانة» الذي صنفه الأشعري ليس مطابقًا للذي بين أيدينا كما بيَّنه العلامة الشيخ وهبي سليمان غاوجي في رسالته «نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة إلى الأشعري» ، على =

= أنه مختلفٌ فيه أيضًا من حيث زمن تأليفه: هل كان أول رجوعه عن مذهب المعتزلة أم كان آخر حياته، والراجح عندنا أنه ألفه أول رجوعه عن مذهب المعتزلة عندما التقى بالبربهاري، وهو ما رجّحه الإمام الكوثري في مقدمة «تبيين كذب المفتري» وتابعته عليه الدكتورة فوقية حسين في تحقيقها للإبانة ص78.

ثم إنه ليس من المنهج العلمي الرصين أن نُغفِلَ ما اشتهر عن الأشعري واستفاض ونتعلق بكتاب لم تثبت مجموع رواياته على نص واحد، لأن المنهج العلمي في التعامل مع الروايات المختلفة عن أيّ إمام هو البحثُ عن المعتمد في مذهبه.

كما أن ما في «الإبانة» مخالف لما نقله الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى عن الأشعري في كتابه «مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري» ، ومعلوم أن ما نقله ابن فورك هو ما استقر عليه الأشعري لاطلاعه على جميع كتبه أولًا، ولتلقِّيه هذه الأقوال عن أبي الحسن الباهلي عن الأشعري ثانيًا.

ومن الدليل على أن «الإبانة» ليست آخر مؤلفات الأشعري أن فيها تكفيرًا لبعض المخالفين، وهو خلاف ما رواه البيهقي ــ كما في «سير أعلام النبلاء» 15: 88 ــ قال: سمعت أبا حازم العبدوي، قال: سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قَرُبَ حضورُ أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني فأتيتُه، فقال: اشهد علي أني لا أكفّر أحدًا من أهل القبلة، لأن الكلّ يُشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلافُ العبارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت