أبو داود والترمذي. وروى ابن وضاح معناه من حديث ابن عمر -رضي الله عنه- ولفظه: (( إن بعدكم أيامًا الصابر فيها المتمسك بمثل ما أنتم عليه اليوم؛ له أجر خمسين منكم ) )، قيل: يا رسول الله منهم؟ قال: (( بل منكم ) ). ثم قال: أنبأنا محمد بن سعيد أنبأنا أسد قال سفيان بن عيينة عن أسلم البصري عن سعيد أخي الحسن يرفعه، قلت لسفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: (( إنكم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، ولم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش، وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر، ولا تجاهدون في الله، وتظهر فيكم السكرتان، فالمتمسك يومئذٍ بالكتاب والسنة له أجر خمسين ) )قيل: منهم؟ قال: (( لا بل منكم ) ). وله بإسناد عن المعافري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك ويعملون بالسنة حين تطفأ ) ).
[باب التحذير من البدع[1] ]
(1) وهذا فيه التحذير من البدع وأن الواجب على أهل الإسلام الحذر منها، ولهذا حذَّر منها النبي صلى الله عليه وسلم لما وعظهم مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه كَأَنَّهَا موعظة مودع فأوصنا، قَالَ: (( أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ - يعني: لولاة الأمور - وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) . فالواجب على أهل الإسلام أن يتمسكوا بما شرعه الله من العبادة وأن يحذروا ما أحدثه الناس من البدع، ولهذا قال لهم حذيفة:"كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد فلا تتعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا"، لأن الصحابة قد بينوا، وسألوا نبيهم عن كل شئ فعليكم بالتأسي بهم والسير على منهاجهم.
ولما رأى عبد الله بن مسعود قومًا في المسجد كل حلقة في المسجد وحدها فيها واحد يقول: سبحوا كذا عدوا كذا وكذا، يعدوا الحصى، قال:"إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة؟، فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء"، هذا من البدع في كونهم يتفرقون أحزابًا، كل واحد يقول افعل كذا وكذا، وإنما الواجب النصيحة والتذكير بالله، قال الله وقال رسوله هذا هو الواجب، أما أن يجعلون حلق ويقولون: عدوا حسناتكم، خذوا الحصى عد يا فلان!! هذا مما أحدثه الناس من البدع، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم في خطبته: (( أما بعد فإن خير الكلام كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) )، فما أحدثه الناس من القربات هو من البدع، والبدع تكون بالقرب، فما تقرب به الناس مما لم يشرع، هذا من البدع، فالواجب الحذر منها، وليس فيها تفصيل بل كل بدعة ضلالة.
وأما قول بعض الناس: إن البدعة تنقسم إلى خمسة أقسام، فهو قول غلط ممن قاله، والصواب: أن كل بدعة ضلالة، والبدعة هي القربة التي يتقرب بها الناس ولم يشرعها الله تعالى مثل: ما فعل هؤلاء في عهد ابن مسعود، ومثل بدعة الموالد، ومثل بدعة البناء على القبور، وتجصيص القبور والكتابة عليها، كل هذا مما أحدثه الناس من البدع، فالواجب الحذر الحذر من ذلك وأن يتقيد المؤمن بما شرع الله وما درج عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات وأن يحذر أن يزيد شيئًا فيما شرعه الله جل وعلا، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: من الآية 3) فالله أكمل الدين فليس لأحد أن يزيد فيه. أهـ.
هذا آخر الشرح المبارك والحمد لله رب العالمين