أما بعد: فإن الله _ وله الحمد _ قد أنعم عليَّ من نعمه العظيمة، ومننه الجسيمة، وآلائه الكريمة، ما هو مستوجب لعظيم الشكر، والثبات على الطاعة، واعتياد حسن الصبر على فعل المأمور، والعبد مأمور بالصبر في السراء أعظم من الصبر في الضراء، قال _تعالى_: [وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) ] هود.
وتعلمون أن الله _سبحانه_ منَّ في هذه القضية من المنن التي فيها من أسباب نصر دينه، وعلو كلمته، ونصر جنده، وعزة أوليائه، وقوة أهل السنة والجماعة، وذل أهل البدعة والفرقة، وتقرير ما قرر عندكم من السنة، وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى والنصر، والدلائل، وظهور الحق لأمم لا يحصي عددهم إلا الله _تعالى_ وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة، وغير ذلك من المنن ما لا بدَّ معه من عظيم الشكر، ومن الصبر وإن كان صبرًا في سراء.
وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين؛ فإن الله _تعالى_ يقول: [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ] الأنفال:1، ويقول: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا] آل عمران: 103، ويقول: [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] آل عمران: 105.
وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة، والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف.
وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة.