وهذه المكاتبات تكشف عن جوانب البر، والمحبة، والصلة، والعفو، والصفح، والرضا، والحرص على تأليف القلوب، وجمع الكلمة إلى غير ذلك من المعاني السامية التي تنم عن نفس راضية، وهمة عالية، وديانة صادقة.
وفيما يلي نموذجان لتلك المكاتبات.
الأول: كتاب من الشيخ إلى والدته وغيرها:
يقول الحافظ ابن عبدالهادي ×: =وقد وقفت على عدة كتب بخط الشيخ، بعثها من مصر إلى والدته، وإلى أخيه لأمه: بدر الدين، وإلى غيرهما.
منها كتاب إلى والدته يقول فيه:
من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقر الله عينها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة، ومنن كريمة، وآلاء جسيمة نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، ونعم الله كلما جاءت في نمو وازدياد، وأياديه جلت عن التعداد.
وتعلمون أن مقامنا الساعةَ في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا _والله_ مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور فإنكم _ولله الحمد_ ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخيرة، فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخيرة في خير وعافية.