الصفحة 23 من 139

فإن عقيدة التّوحيد هي أساس الدين، وكل الأوامر والنواهي والعبادات والطاعات كلها مؤسسة على عقيدة التّوحيد، التي هي معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، الشهادتان اللتان هما الركن الأول من أركان الإسلام؛ فلا يصح عملٌ، ولا تقبل عبادةٌ ولا ينجو أحد من النار ويدخل الجنة؛ إلاَّ إذا أتى بهذا التّوحيد وصحّح العقيدة.

ولهذا كان اهتمام العلماء رحمهم الله في هذا الجانب اهتمامًا عظيمًا؛ لأنه هو الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ثم بعد ما تصح العقيدة فإنه حينئذٍ يُطلب من الإنسان أن يأتي ببقية الأعمال.

المبحث السادس: التوحيد والايمان

(الإيمان والتوحيد شيئان متغايران وشيئان متفقان، فالتوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يستحقه ويختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ولهذا قال العلماء رحمهم الله إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وأن هذه الأقسام جاءت في قول تعالى(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم/ 65) ، فقوله (رب السماوات والأرض وما بينهما) يعني توحيد الربوبية، وقوله (فاعبده واصطبر لعبادته) يعني توحيد الألوهية، وقوله (هل تعلم له سميا) يعني توحيد الأسماء والصفات).

و (الإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وعلى هذا فالموحد لله مؤمن به والمؤمن بالله موحد له لكن قد يحصل خلل في التوحيد أو في الإيمان فينقصان ولهذا كان القول الراجح أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص في حقيقته وفي آثاره ومقتضياته فالإنسان يجد من قلبه أحيانًا طمأنينة بالغة كأنما يشاهد الغائب الذي كان يؤمن به وأحيانًا يحصل له شيء من قلة هذا اليقين الكامل وإذّا شئت أن تعرف أن اليقين يتفاوت فاقرأ قول الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة /260) كما أنه أيضا يزيد بآثاره ومقتضياته فإن الإنسان كلما ازداد عملا صالحا ازداد إيمانه حتى يكون من المؤمنين الخلص). [1]

اختلاف مدلولات الإيمان والتوحيد والعقيدة

الإيمان والتوحيد والعقيدة أسماء لمسميات تختلف في مدلولاتها بعض الاختلاف، ولكنها ترجع إلى شيء واحد. التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والإيمان هو الإيمان بأنه مستحق للعبادة، والإيمان بكل ما أخبر به سبحانه، فهو أشمل من كلمة التوحيد، التي هي مصدر وحد يوحد، يعني أفرد الله بالعبادة وخصه بها؛ لإيمانه بأنه سبحانه هو المستحق لها؛ لأنه الخلاق؛ لأنه الرزاق؛ ولأنه الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ ولأنه مدبر الأمور والمتصرف فيها، فهو المستحق للعبادة، فالتوحيد هو إفراده بالعبادة ونفيها عما سواه، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام،

(1) فتاوى نور على الدرب / السؤال 315، الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى: نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة، الاصدار 3.48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت