المسألة الخامسة عشر:- وسطيتهم رضي الله عنهم وأرضاهم في مسألة الرجاء والخوف، وذلك أن الناس قد انقسموا في هذه المسألة إلى ثلاث فرق، طرفين ووسط، فمن الناس من عبد الله تعالى بالرجاء فقط تغليبًا منه لأدلة الوعد وهم المرجئة فإنهم غلبوا جانب الرجاء ولم ينظروا إلا إلى أدلة الوعد فقط وغفلوا أو نقول:- تغافلوا على الأدلة الأخرى، وأوصلهم ذلك الأمر إلى الوقوع في الذنوب والمعاصي وموبقات الآثام بلا خوفٍ ولا حياء، ذلك لأن فعل الذنوب عندهم لا دخل فيه في نقص الإيمان، فأمنوا مكر الله تعالى وقد قال تعالى { أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } والفرقة الثانية:- عبدت الله تعالى بالخوف فقط، وذلك تغليبًا منهم لأدلة الوعيد فقط فما نظروا إلى أدلة الوعد،وإنما قصروا نظرهم على أدلة الوعيد فقط، فأوصلهم ذلك إلى الوقوع في اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله وهؤلاء هم الوعيدية وغيرهم, وكلا القولين خطأ وقصور, فالأولون فرطوا وتساهلوا والآخرون أفرطوا وشددوا وتجاوزوا الحد المشروع وكل واحدة من الفرقتين أخذت بطرفٍ من الأدلة فقط وتركت الطرف الآخر وهذا مجانب لمسلك الوسطية الذي سار عليه أهل السنة الذين عبدوا بالخوف والرجاء, فجعلوا العبادة قائمة عليهما, تحقيقًا لقوله تعالى { ويدعوننا رغبًا ورهبًا } وقوله تعالى { ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لايحب المعتدين } وقوله تعالى { أمَّنْ هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه } هذا هو منهج القرآن فإنه يقرن الترغيب بالترهيب, وذلك في آياتٍ كثيرة, فأهل السنة يجمعون في تعبدهم الرغب والرهب, وهذا ينتج الخشية, فالخشية مزيج من الخوف والرجاء, فإن من عبد الله بالرجاء فقط أمن من مكر الله, ومن عبد الله بالخوف فقط أيس من روح الله ورحمته ومن عبد الله بهما فهو الموحد الصادق, فالخوف والرجاء بالنسبة للعبادة هما كجناحي الطائر, ومن المعلوم أن الطائر