المسألة الثامنة:- وسطية أهل السنة في باب الاستثناء في الإيمان وذلك أن أهل القبلة انقسموا في هذا الباب إلى ثلاث فرق, طرفين ووسط, وخير الأمور الوسط, فمنهم من قال بوجوب الاستثناء في الإيمان, فيجب على العبد إذا قال: (أنا مؤمن) أن يقرن مع هذا القول قوله: (إن شاء الله) وذلك لأن الله تعالى نهانا عن تزكية أنفسنا كما في قوله { فلا تزكوا أنفسكم } وفي قوله { ألم تر ا إلى الذين يزكون أنفسهم } وبناءً على ذلك فيجب وجوبًا أن يقول: (إن شاء الله) حتى لايقع في المحرم الذي هو تزكية نفسه لأن الإيمان في القلب من الأشياء الغيبية وقد تقرر أن الأشياء الغيبية لاينبغي الجزم بها بل لابد أن تعلق بالمشيئة لأن كمال الإيمان شيء لايرى لأنه غيب, ومنهم من قال:- بل يحرم تعليق الإيمان بالمشيئة, لأن حقيقة المشيئة أنها تفيد الشك وكيف يشك العبد في أصل إيمانه فإن الشك في أصل وجود الإيمان كفر, وبناءً عليه فلا يجوز تعليق الإيمان, بل يجب عليه أن يجزم ويقول (أنا مؤمن) ولا يقول بعدها (إن شاء الله) وأنت ترى هنا أنهما قولان متناقضان, فقول بالوجوب, وقول بالحرمة, وذلك لأن من قال بالوجوب إنما نظر إلى حالةٍ واحدة فقط وهي حالة الشهادة بكمال الإيمان والذي قال بالحرمة إنما نظر إلى حالةٍ واحدة فقط وهي حالة الشهادة بأصل وجود الإيمان, وهذه النظرة ضيقة ولذلك فأهل السنة نظروا إلى أطراف المسألة كلها ولم يدعوا منها شيئًا, فقالوا:- إن كان المستثنى في إيمانه شاكًا في أصل وجوده فهذا يحرم عليه الاستثناء لأن الشك في أصل وجود الإيمان لايجوز وما أدى إلى الحرام فهو حرام, وكيف يشك العبد في وجود أصل الإيمان في قلبه؟ ولكن لو كان هذا قصده في قوله (إن شاء الله) فإنه يحرم عليه هذا القول وهو آثم عليه, وأما إن كان المستثنى في إيمانه يدافع عن نفسه التزكية ويجانب بها الرياء فهذا واجب, أي يجب عليه إن علم من نفسه أنه إن لم يستثن وقع في الرياء والعجب أن