الصفحة 37 من 70

الثاني:- أن المعتزلة تقول:- إن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار أبدًا كما سيأتي, وكيف يكون خالدًا مخلدًا في النار أبدًا وهو لامؤمن ولابكافر؟ أرأيت كيف المخادعة, ففي الحقيقة أن المعتزلة يقولون بتكفيره في الدنيا ولكنهم أرادوا أن يحسنوا العبارة مخادعة وملاطفة لمخالفهم من الفرق, والمقصود:- أن الوعيدية إنما نظروا إلى أدلة الوعيد فقط, فعندهم إفراط ولا شك, فالمرجئة أعطوا مرتكب الكبيرة الإيمان المطلق, والوعيدية سلبوا منه مطلق الإيمان وهذا تفريط وإفراط, فهاتان الفرقتان متناقضتان لأن كل واحدة منهما قد أخذت بالأدلة التي تركتها الفرقة الأخرى فالمرجئة أخذوا بأدلة الوعد فقط وتركوا أدلة الوعيد, والخوارج والمعتزلة أخذوا بأدلة الوعيد فقط وتركوا أدلة الوعد, فنتج من ذلك غلو الوعيدية في التكفير وتفريط المرجئة في التساهل وفتح الباب على مصراعيه, فجاء أهل السنة رحمهم الله تعالى وعفا عنهم وغفر لهم ورفع نزلهم في الفردوس الأعلى وجزاهم الله تعالى خير ماجزى عالمًا عن أمته, فتوسطوا بين الفريقين, ووفقوا للصراط المستقيم والمسلك القويم السليم في هذه المسألة وأخذوا بأطراف الأدلة كلها ولم يدعوا منها شيئًا فقالوا:- إن مرتكب الكبيرة لانعطيه الإيمان المطلق ولا نسلبه مطلق الإيمان, بل هو مؤمن بما بقي معه من الإيمان وفاسق بما معه من الظلم والعصيان أي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته وهذا هو والله الذي لاإله إلاهو الحق والصواب في هذه المسألة والذي لايجوز القول بغيره, وما عداه فضلال مبين { فماذا بعد الحق إلا الضلال } وهذا القول هو الوسطية بعينها, فإن قول أهل السنة هذا فيه الأخذ بكل الأدلة, التي مع هؤلاء والتي مع هؤلاء فقولهم: لانعطيه الإيمان المطلق { رد على المرجئة الذين أعطوه الإيمان المطلق وقولهم } ولانسلبه مطلق الإيمان رد على الوعيدية الذين سلبوه مطلق الإيمان, فأخذوا بالأدلة الدالة على أن مرتكب شيء من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت