المسألة الرابعة:- وسطية أهل السنة في باب مرتكب الكبيرة في الدنيا, فإن أهل القبلة قد انقسموا في ذلك إلى ثلاثة أقسام, إلى طرفين ووسط, فالطرف الأول:- فرقة يقال لهم المرجئة وهؤلاء يزعمون أن فعل الذنب لاتأثير له في نقص الإيمان مالم يكن ذلك الذنب شركًا فالإيمان عندهم لايضر معه ذنب, فمهما فعل المؤمن من الذنوب فإيمانه كامل لاينقص منه شيء أبدًا بل تجرأ بعضهم وقال:- إن إيمان أفسق الناس كإيمان أبي بكر وعمر, فالإيمان عندهم جزء واحد لايتجزأ ولا يذهبه إلا الكفر أو الشرك وأما ما عداها من الذنوب فإنها لاتؤثر فيه, وهؤلاء عندهم تفريط في هذه المسألة وذلك لأنهم لم ينظروا إلا لأدلة الوعد فقط, فهم قد غلوا في جانب التفريط والتساهل, والطرف الثاني:- فرقة يقال لهم الوعيدية وياويلك من الوعيدية, فإنهم قالوا:- إن العبد إذا اقترف كبيرة من الكبائر فإنه يخرج بذلك الذنب عن مسمى الإيمان بالكلية فلا يطلق عليه اسم الإيمان لامن قريب ولامن بعيد, فلا إيمان مع الكبائر والعجب من هذا القول ماأشده وما أغلظه وماأبعده عن الحق والهدى والصراط المستقيم, والوعيدية هم الخوارج والمعتزلة, وقد اتفقوا على أن العبد إذا فعل الكبيرة فإنه يخرج من مسمى الإيمان لكن هل يوصف بالكفر؟ الجواب:- أما عند الخوارج فإنه يوصف بالكفر, فقد صرحوا بأنه كافر مرتد عن الإسلام بهذه الكبيرة, وأما المعتزلة فإنهم استحيوا قليلًا وهذبوا العبارة فقالوا:- لانقول هو مؤمن ولا بكافر بل هو في منزلةٍ بين المنزلتين, أي أنه خرج من الإيمان بالكلية ولكنه لم يصل إلى درجة الكفر, وهذه سخافة ومخادعة وزخرفة للقول فقط, وإلا ففي الحقيقة أن قول المعتزلة هو بعينه قول الخوارج وبيان ذلك من وجهين:-