الصفحة 27 من 62

الذي رأى قطة تتلصص على مائدة في خلسة من أصحابها ثم تمد فمها لتلقف قطعة سمك .

الذي رأى مثل تلك القطة و نظر إلى عينيها و هي تسرق لن ينسى أبدًا تلك النظرة التي ملؤها الإحساس بالذنب .

إن القطة و هي الحيوان الأعجم تشعر شعورًا مبهمًا أنها ترتكب إثمًا .. فإذا لحقها العقاب و نالت ضربة على رأسها فإنها تغض من بصرها و تطأطئ رأسها و كأنها تدرك إدراكًا مبهمًا أنها نالت ما تستحق .

هو إحساس الفطرة الأولى الذي ركبه الخالق في بنية المخلوق .. إنه الحاسة الأخلاقية البدائية نجد أثرها حتى في الحيوان الأعجم .

و القط إذ يتبرز ثم ينثني على ما فعل و يهيل عليه التراب حتى يخفيه عن الأنظار .

ذلك الفعل الغريزي يدل على إحساس بالقبح و على المبادرة بستر هذا القبح .

ذلك الفعل هو أيضًا فطرة أخلاقية لم تكتسب بالتعلم .. و إنما بهذه الفطرة ولد كل القطط .

و بالمثل غضبة الجمل بعد تكرار الإهانة من صاحبه و بعد طول الصبر و التحمل .. و كبرياء الأسد و ترفعه عن أن يهاجم فريسته غدرًا من الخلف و إنما دائمًا من الأمام و مواجهة .. و لا يفترس إلا ليأكل .. و لا يفكر في أكل أو افتراس إلا إذا جاع .

كل هذه أخلاق مفطورة في الحشوة الحية و في الحيوان .

ثم الوفاء الزوجي عند الحمام .

و الولاء للجماعة في الحيوانات التي تتحرك في قطعان .

نحن أمام الأسس الأولى للضمير .. نكتشفها تحت الجلد و في الدم لم يعلمها معلم و إنما هي في الخلقة.

و نحن إذ نتردد قبل الفعل نتيجة إحساس فطري بالمسئولية .. ثم نشعر بالعبء في أثناء الفعل نتيجة تحري الصواب .. و نشعر بالندم بعد الفعل نتيجة الخطأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت