لا يمكن الإحاطة بجوانب عظمة النبي محمد إلا إذا أمكن الإحاطة بجميع أطواء الكون، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عالَمًا في فرد، فكان بهذا فردًا في العالم [1] !
النبوة إشراق سماوي على الإنسانية، ليقوّمها في سيرها، ويجذبها نحو الكمال .. والنبي من الأنبياء هو الإنسان الكامل، الذي يبعثه الله تعالى ليبتدي به النور، ولتهتدي به خطا العقل في التاريخ ..
لقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام النور الذي أشرق في تاريخ الإنسان، ففيهم تحس صدق النور، وسر الروعة، ولطف الجمال الظاهر والباطن ... في طهر سيرتهم، ونقاء سريرتهم، وعطر أفكارهم، ويقظة أفئدتهم، وفي كل حركاتهم وسكَناتهم تلمس إعجاز النبوة العجيب! أليس الله قد اصطنعهم على عينه، واختارهم ليبلغوا رسالته؟!
لقد كان الأنبياء هم البدء، ولا بد للبدء من تكملة، والتكملة بدأت في يوم حراء، غرة أيام الدهر، ففيه تنزلت أنوار الوحي على من استحق بزّة الخاتمية فكان خاتم الأنبياء، ومن ذا يستحق أن يُختم به الوحي الإلهي غير الصادق الأمين؟!
الصادق الذي ما كذب مرة قط، لا على نفسه، ولا على الناس، ولا على ربه ... ومن منا يستطيع أن يكون صادقًا في أقواله وأفعاله ومشاعره ومواقفه مدى الحياة؟! اللهم لا يطيق هذا سوى الأنبياء ... والأمين الذي كان أمينًا في كل شيء وكان قبل كل شيء أمينًا على عقول الناس، وأفكار الناس.
كسفت الشمس يوم توفي ولده إبراهيم، فقالوا:"كُسفت الشمس لموت إبراهيم"لم يستغل رسول الإنسانية الأمين صلى الله عليه وسلم ضعف الناس فيتخذ من هذه الحادثة الاستثنائية دليلًا على صدق نبوته، فنبوته حق، والحق قوي بذاته، والطبيعة لا تتدخل في أحزان الإنسان، فجاء البيان النبوي الصادق"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد"وهيهات أن يقبل الرسول لأصحابه أن يكون الجهل سببًا للإيمان ... لم
(1) سأبسط القول بعون الله في الكلام عن جوانب من العظمة في شخصية الرسول * في كتاب (محمد والحياة) .