وَيَرَونَ كَذلك أنَّهما يَختَلفانِ بِحسَبِ الإنفرادِ والإقترانِ؛ فَعِندَ ذِكرِهِما جَميعًا يُفسَّر الإسلامُ بأعمَالِ الجَوارحِ، وَعِندَ الإنفرادِ يَكُونُ كُلَّا مِنهُما شامِلًا للآخر، مِثل قَولِهِ تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] ، وهذا يَشمَلُ الإسلامَ والإيمان [1] .
وَلا أدلَّ على التفريقِ بَينَهُما مِن قَولِهِ تَعَالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، وَقَد أورَدَ الإمامُ الطَّبَريُّ [2] في تَفسِيرِ هذه الآيةِ أقوالًا كَثيرةً مَرفُوعةً وَمَوقُوفةً تَدُلُّ بِمُجمَلِها أنَّ مُسمَّى الإسلامِ غَيرُ مسمَّى الإيمانِ، واختارَ هذا القَولَ وَرَجَّحَهُ رَحِمَهُ الله [3] .
قالَ الحافِظُ ابن كثير [4] -رحمه الله- في الآيةِ المتقدِّمةِ:
(( وَقَد استُفيدَ مِن هذهِ الآيةِ الكريمةِ أنَّ الإيمانَ أخَصُّ من الإسلامِ كَما هُو مَذهَبُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ، وَيَدلُّ عَليهِ حَديثُ جِبريلَ عَليهِ الصلاةُ والسَّلامُ حِينَ سَأَلَ عن الإسلامِ ثُمَّ عن الإيمانِ ثُمَّ عن الإحسانِ، فترقَّى مِن الأعمِّ إلى الأخصِّ ثُمَّ للأخصِّ ) ) [5] .
وَقَد استَدَلَّ شَيخُ الإسلامِ ابن تيمية - رحمه الله - على المُغايَرَةِ بَينَهُما بآيةِ الحُجُراتِ المُتَقدِّمةِ، ثُمَّ أورَدَ قَولَه تَعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا
(1) ينظر: التعليقات على الأربعين النووية للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين 8.
(2) هو محمد بن جرير الطبري الإمام العلم صاحب التصانيف العظيمة والتفسير المشهور (ت310هـ) ، ينظر: طبقات الشافعية 1/ 101 0
(3) ينظر للتفصيل: جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير الطبري 26/ 141 - 143.
(4) هو الحافظ الفقيه المفسر إسماعيل بن كثير الدمشقي صاحب التاريخ والتفسير (ت774هـ) ، ينظر: طبقات المفسرين لأحمد بن محمد الداودي 1/ 261.
(5) تفسير القران العظيم للحافظ ابن كثير 4/ 219 - 220.