الصفحة 148 من 183

وَمَع ذلكَ فإنَّنا لا نَزالُ نَرى عُلماءَ الخَلَفِ - إلا قليلًا مِنهُم - سادِرينَ في مُخالفَتِهم للسَّلفِ في تَفسيرِهم لآيةِ الاستواءِ وَغَيرِها مِن آياتِ الصِّفاتِ وأحادِيثِها.

وَقَد يَتَساءلُ بَعضُ القُرَّاءِ عَن سَبَبِ ذلكَ فأقولُ: لَيسَ هو إلا إعراضُهُم عن اتِّباعِ السَّلفِ، ثم فَهمُهُم - خطأ - الاستعلاءَ المذكورَ في الآياتِ الكريمةِ أنَّه الاستِعلاءُ اللائِقُ بالمخلوقِ، ولَمَّا كانَ هذا مُنافيًا للتَّنزيهِ الواجِبِ لله اتِّفاقًا فَرُّوا مِن هذا الفَهمِ إلى تأويلِهم السَّابقِ ظنًا مِنهُم أنَّهم بِذلكَ نَجَوا مِن القَولِ على الله تعالى بما لا يَليقُ بِهِ سُبحانَه.

وَلَقَد كانَ مِن كِبارِ هؤلاءِ العُلماءِ القائلينَ بالتأويلِ المذكورِ بُرهَةً مِن الزَّمنِ جَماعَةٌ مِن أهلِ العلمِ، مِنهُم الإمامُ أبو الحسن الأشعريِّ كما سيأتي بَيانهُ في تَرجمتِهِ من الكتاب (120) ، وَمِنهُم العلامةُ الجَليلُ أبو مُحمَّد الجوينيِّ الشافعيِّ والدِ إمامِ الحرمَينِ المتوفى سنة (438) ثُمَّ هَداهُ الله تعالى إلى اتِّباعِ السَّلفِ في فَهمِ الاستواءِ وسائرِ الصِّفاتِ، ثُمَّ ألَّفَ في ذلك رِسالةً نافِعَةً قَدَّمَها نَصيحَةً لإخوانِهِ في الله كما صَرَّحَ بذلكَ في مُقدِّمَتِها، وَقَد وَصَفَ فيها وَصفًا دَقيقًا تَحَيُّرَهُ وَتَرَدُّدَهُ في مَرحَلةٍ من مَراحِلِ حياتِهِ العِلميَّةِ بين اتِّباعِ السلفِ وبين اتِّباعِ عُلماءِ الكلامِ في عَصرِهِ الذين يؤولون الاستواءَ بالاستيلاءِ )) [1] .

ثم إنَّ الشَّيخُ الألبانيَّ -رحمه الله- ساقَ كَلامَ الجوينيِّ بِتَمامِهِ في هذهِ المسألَةِ وهوَ ذِكرُ بَعضِ الآياتِ في الاستواءِ والفَوقيَّةِ والأحاديثِ في ذلكَ، ثُمَّ بَيانِ السَّببِ الذي حَمَلَ عُلماءَ الكلامِ في عَصرِهِ على تأويلِ الاستواءِ بالاستيلاءِ، وَبَيانِ غَلَطِهم في ذلكَ، ثم قالَ الشيخُ الألبانيُّ بعدَ ذلكَ:

(( قُلتُ: لَقَد وَضَحَ مِن كلامِ الإمامِ الجوينيِّ رحِمهُ الله تعالى السبَبَ الذي حَمَلَ الخَلفَ - إلا من شاءَ الله - على مُخالَفَةِ السَّلفِ في تَفسيرِ آيةِ(الاستواءِ) وهو أنَّهم فَهِموا منهُ - خطأً كما قُلنا - استواءً لا يَليقُ إلا بالمخلوقِ وهذا تَشبيهٌ، فنَفَوهُ بتأويلهم إيَّاهُ بالاستيلاءِ، وَمِن الغَريبِ حَقًا أنَّ الذي فرُّوا منهُ بالتأويلِ قَد وَقَعوا بِهِ فيما هوَ أَشَرُّ منه بكثيرٍ وَيُمكِنُ حَصرُ ذلكَ بالأمورِ الآتيةِ:

(1) مختصر العلو: 25 - 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت