(( وهنا يَجِبُ أن تَنتَبِهوا إلى أنَّ كَثيرًا مِن الدُّعاةِ الإسلاميينَ اليومَ مِمَّن لَم يؤتَوا حَظًَّا مِن العِلم بالكتابِ والسنةِ، يَتَحاشَونَ الخَوضَ في اتِّباعِ السَّلفِ ... وهو اتِّباعُهُم في إيمانِهِم بآياتِ وأحاديثِ الصِّفاتِ على المفهومِ العربيِّ مَع التَّنزيهِ، إنَّهم لا يُريدُونَ أن يكونوا سَلَفيِّينَ، ولا يُريدونَ أن يَكونوا مِن المعتزِلةِ، فَيَقولونَ: نَحنُ نُفوِّضُ هذه المعاني التي جاءَت في آياتِ الصِّفاتِ وفي أحاديثِ الصِّفاتِ، فَسُمُّوا بـ (( المفوِّضَةِ ) )، ... وَمَعنى المفوِّضَةِ هنا: هو الجَهلُ بِعَشَراتِ الآياتِ والأحاديثِ التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتي كَما قُلنا آنِفًا تَعَرَّفَ بِها إلى عِبادِهِ، عَرَّفَهُم بِبَعضِ صِفاتِ غَيب الغُيوبِ إن صَحَّ التَّعبيرُ، وهو الله تبارك وتعالى، فَجِهِلوا هذهِ المعاني كُلِّها، قالوا: الله اعلَمُ بِمُرادِهِ )) [1] .
وَقالَ - رحمه الله - في موطِنٍ آخرَ:
(( والظنُّ الذي أتوا مِنهُ المخالِفونَ هوَ مِما يُكَرِّرُ ذِكرَهُ بَعضُ المؤيِّدينَ لِمَذهَبِ الخَلَفِ على مَذهَبِ السلفِ ويَتَوَهَّمُ صِحَّتَهُ بَعضُ الكُتَّابِ الإسلاميِّينَ الذينَ لا عِلمَ عِندهم بأقوالِ السَّلفِ وَيُسَمُّونَهُ بـ(التفويضِ ) )) [2] .
ثم قال بعد أن ذَكرَ أقوالَ بَعضِ المخالفينَ المعاصِرينَ لهُ:
(( ثم إنَّ عَجَبي لا يَكادُ يَنتَهي من الكوثريِّ وأمثالِهِ الذينَ يَنسِبونَ السَّلفَ الصالحَ في آياتِ الصِّفاتِ إلى التَّفويضِ وَعَدَمِ البحثِ عن المرادِ مِنها كما سَبَقَ النَّقلُ الصَّريحُ بِذلكَ عَنهُ، فإنَّه إن لَم يَجِد في قَلبِهِ من التَّعظيمِ للسَّلفِ وَعِلمِهِم ما يَزَعُهُ عَن التَّلَفُّظِ بِها بِما يَمَسُّ مَقامَهُم في المعرفةِ بالله تعالى وَصِفاتِهِ، أفَلَم يَقِف على ما نَقَلَهُ العُلماءُ عَنهم من العباراتِ المختلفةِ لَفظًا والمتَّحِدَةِ مَعنىً، وكلُّها تَلتَقي حَولَ شيءٍ واحِدٍ وهو إثباتُ الصِّفاتِ مَعَ الرَّدِّ على المُعطِّلةِ النَّافينَ لها والمُمَثِّلَةِ المشبِّهينَ لَها بِصِفاتِ الخَلقِ، وإليك بَعضَ النُّصوصِ في ذلكَ مما سَتَراهُ في الكتابِ في تَراجُمِهِم إن شاءَ الله تعالى ) ) [3] .
(1) المنهج السلفي 124 - 125.
(2) مختصر العلو للعلي الغفار للذهبي اختصار الألباني 35.
(3) مختصر العلو 36.