فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 321

"وأضف إلى ذلك أن هذا الحزب ; بصرف النظر عما يرمي إليه من إصلاح العالم ; وبث الخير والفضيلة في أنحاء الأرض كافة , لا يقدر أن يبقى ثابتًا على خطته , متمسكًا بمنهاجه , عاملًا وفق مقتضياته ما دام نظام الحكم قائمًا على أساس آخر , سائرًا على منهاج غير منهاجه . وذلك أن حزبًا مؤمنًا بمبدأ ونظام للحياة والحكم خاص , لا يمكن أن يعيش متمسكًا بمبدئه عاملًا حسب مقتضاه في ظل نظام للحكم مؤسس على مبادئ وغايات غير المبادى ء والغايات التي يؤمن بها , ويريد السير على منهاجها . فإن رجلًا يؤمن بمبادئ الشيوعية , إن أراد أن يعيش في بريطانيا أو ألمانيا , متمسكًا بمبدئه , سائرًا في حياته على البرنامج الذي تقرره الشيوعية , فلن يتمكن من ذلك أبدًا , لأن النظم التي تقررها الرأسمالية أو الناتسية تكون مهيمنة عليه , قاهرة بما أوتيت من سلطان , فلا يمكنه أن يتخلص من براثنها أصلا . . وكذلك إن أراد المسلم أن يقضي حياته مستظلًا بنظام للحكم مناقض لمبادئ الإسلام الخالدة وبوده أن يبقى مستمسكًا بمبادئ الإسلام , سائرًا وفق مقتضاه في أعماله اليومية , فلن يتسنى له ذلك , ولا يمكنه أن ينجح في بغيته هذه أبدًا . لأن القوانين التي يراها باطلة , والضرائبالتي يعتقدها غرمًا ونهبا لأموال الناس , والقضايا التي يحسبها جائرة عن الحق وافتئاتًا على العدل , والنظم التي يعرف أنها مبعث الفساد في الأرض , ومناهج التعليم التي يجزم بوخامة عاقبتها وسوء نتائجها , ويرى فيها هلاكًا للأمة . . يجد كل هذه مهيمنة عليه , ومسيطرة على بيئته وأهله وأولاده , بحيث لا يمكنه أن يتخلص من قيودها وينجو بنفسه وأهله من أثرها ونفوذها . فالذي يؤمن بعقيدة ونظام - فردًا كان أو جماعة - مضطر بطبيعة عقيدته وإيمانه بها أن يسعى سعيه في القضاء على نظم الحكم القائمة على فكرة غير فكرته , ويبذل الجهد المستطاع في إقامة نظام للحكم مستند إلى الفكرة التي يؤمن بها ; ويعتقد أن فيها سعادة للبشر . لأنه لا يتسنى له العمل بموجب عقيدته والسير على منهاجه إلا بهذا الطريق . وإذا رأيت رجلا لا يسعى وراء غايته , أو يغفل عن هذا الواجب , فاعلم أنه كاذب في دعواه . ولما يدخل الإيمان في قلبه . وبهذا المعنى ورد في التنزيل:"

(عفا الله عنك . لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ? لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم . والله عليم بالمتقين . . إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر . وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون) . . . [ التوبة:43 - 45 ] .

"وأي شهادة أصدق ; وأي حجة أنصع ; من شهادة القرآن وحجته ; ففي هذه الآيات من سورة براءة قد نص القرآن الكريم على أن الذي لا يلبي نداء الجهاد ; ولا يجاهد بماله ونفسه في سبيل إعلاء كلمة الله , وإقامة الدين الذي ارتضاه لنفسه , وتوطيد نظام الحكم المبني على قواعده , فهو في عداد الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر , وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون . . ."

"لعلك تبينت مما أسلفنا آنفًا أن غاية [ ] الجهاد في الإسلام , هي هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه , وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها . وهذه المهمة . . مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام . غير منحصرة في قطر دون قطر . بل مما يريده الإسلام , ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة . . هذه غايته العليا , ومقصده الأسمى الذي يطمح إليه ببصره . إلا أنه لا مندوحة للمسلمين , أو أعضاء"الحزب الإسلامي"عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود , والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها . أما غايتهم العليا وهدفهم الأسمى فهو الانقلاب العالمي الشامل [ ] المحيط بجميع أنحاء الأرض . وذلك أن فكرة انقلابية لا تؤمن بالقومية , بل تدعو الناس جميعًا إلى سعادة البشر وفلاح الناس أجمعين , لا يمكنها أصلًا أن تضيق دائرة عملها في نطاق محدود من أمة أو قطر . بل الحق أنها مضطرة بسجيتها وجبلتها أن تجعل الانقلاب العالمي غايتها التي تضعها نصب عينها , ولا تغفل عنها طرفة عين . فإن الحق يأبى الحدود الجغرافية , ولا يرضى أن ينحصر في حدود ضيقة اخترعها علماء الجغرافية واصطلحوا عليها . فالحق يتحدى العقول البشرية النزيهة . ويقول لها مطالبًا بحقه:ما بالكم تقولون:إن القضية الفلانية"حق"في هذا الجانب من ذاك الجبل أو النهر مثلًا ; ثم تعود القضية نفسها"باطلًا"- بزعمكم - إذا جاوزنا ذاك الجبل أو النهر بأذرع ?! الحق حق في كل حال وفي كل مكان ! وأي تأثير للجبال والأنهار في تغيير حقيقته المعنوية ?! الحق ظله وارف , وخيره عام شامل , لا يختص ببيئة دون بيئة , ولا قطر دون قطر . فأينما وجد"الإنسان"مقهورًا فالحق من واجبه أن يدركه ويأخذ بحقه وينتصر له . ومهما أصيبت"الإنسانية"في أبنائها المستضعفين , فعلى العدل ومبادئهوالحاملين للوائه أن يلبوا نداءها , ويأخذوا بناصرهم حتى ينتصروا لهم من أعدائهم الجائرين , ويستردوا لهم حقوقهم المغصوبة التي استبد بها الطغاة بغيًا وعدوانًا . وبهذا المعنى نطق لسان الوحي , حيث ورد في التنزيل:"

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان , الذين يقولون:ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) . . . [ النساء:75 ]

"وزد على ذلك أن الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية - على ما أثرت فيها الفوارق القومية والوطنية . وأحدثت فيها من نزعات الشتات والاختلاف - قد تشتمل على تلاؤم شامل , وتجانس عام بين أجزائها , ربما يتعذر معه أن تسير مملكة في قطر بعينه بحسب مبادئها وخططها المرسومة المستبينة , ما دامت الأقطار المجاورة لها لا توافقها على مبادئها وخطتها , ولا ترضى بالسير وفق منهاجها وبرنامجها . من أجل ذلك وجب على الحزب المسلم , حفظًا لكيانه , وابتغاء للإصلاح المنشود , ألا يقنع بإقامة نظام الحكم الإسلامي في قطر واحد بعينه . بل من واجبه الذي لا مناص له منه بحال من الأحوال , ألا يدخر جهدًا في توسيع نطاق هذا النظام وبسط نفوذه في مختلف أرجاء الأرض . ذلك بأن يسعى الحزب الإسلامي , في جانب , وراء نشر الفكرة الإسلامية , وتعميم نظرياتها الكاملة ونشرها في أقصى الأرض وأدناها ; ويدعو سكان المعمورة - على اختلاف بلادهم وأجناسهم وطبقاتهم أن يتلقوا هذه الدعوة بالقبول , ويدينوا بهذا المنهاج الذي يضمن لهم السعادتين , سعادتي الدنيا والآخرة . . وبجانب آخر , يشمر عن ساق الجد , ويقاوم النظم الجائرة المناقضة لقواعد الحق والعدل وبالقوة , إذا استطاع ذلك وأعد له عدته , ويقيم مكانها نظام العدل والنصفة , المؤسس على قواعد الإسلام ومبادئه الخالدة التي لا تبلى , ولن تبلى جدتها على مرور الأيام والليالي ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت