فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 321

فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق . . موقف الاستماع والمعرفة , ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر , ثم الإسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة , مع دعاء الله - سبحانه - أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق ; الذين يؤدون شهادتهم سلوكا وعملا وجهادا لإقراره في الأرض , والتمكين له في حياة الناس ثم وضوح الطريق ففي تقديرهم وتوحده ; بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد:هو طريق الإيمان بالله , وبالحق الذي أنزله على رسوله , والأمل - بعد ذلك - في القبول عنده والرضوان .

ولا يقف السياق القرآني هنا عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودة للذين آمنوا من الذين قالوا إنا نصارى ; وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل الله الى الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق ; وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح , بالإيمان المعلن , والانضمام إلى الصف المسلم ; والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال ; والدعاء إلى الله أن يقبلهم في الصف الشاهد لهذا الحق على هذا النحو ; مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين . . لا يقف السياق القرآني عند هذا الحد في بيان أمر هؤلاء الذين يقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا . بل يتابع خطاه لتكملة الصورة , ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلا:

(فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين) . .

لقد علم الله صدق قلوبهم وألسنتهم ; وصدق عزيمتهم على المضى في الطريق ; وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدين الجديد الذي دخلوا فيه ; ولهذا الصف المسلم الذي اختاروه , واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة - بكل تكاليفها في النفس والمال - منة يمن الله بها على من يشاء من عباده ; واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونة إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضي فيه ; ورجاءهم في ربهم أن يدخلهم مع القوم الصالحين . .

لقد علم الله منهم هذا كله ; فقبل منهم قولهم وكتب لهم الجنة جزاء لهم ; وشهد لهم - سبحانه - بأنهم محسنون , وأنه يجزيهم جزاء المحسنين: (فأثابهم الله - بما قالوا - جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . . وذلك جزاء المحسنين . .) .

والإحسان أعلى درجات الإيمان والإسلام . . والله - جل جلاله - قد شهد لهذا الفريق من الناس أنه من المحسنين .

هو فريق خاص محدد الملامح هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا:إنا نصارى) . .

هو فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه , بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة . وهو فريق لا يتردد في إعلان استجابته للإسلام , والانضمام للصف المسلم ; والانضمام إليه بصفة خاصة في تكاليف هذه العقيدة ; وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها والجهاد لإقرارها وتمكينها وهو فريق علم الله منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين . .

ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد في تحديد ملامح هذا الفريق المقصود من الناس الذين تجدهم أقرب مودة للذين آمنوا بل إنه ليمضي فيميزه من الفريق الآخر من الذين قالوا:إنا نصارى ممن يسمعون هذا الحق فيكفرون به ويكذبون , ولايستجيبون له , ولا ينضمون إلى صفوف الشاهدين: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) :. .

والمقصود قطعا بالذين كفروا وكذبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون - من الذين قالوا إنا نصارى - ثم لا يستجيبون . . والقرآن يسميهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف . سواء في ذلك اليهود والنصارى ; ويضمهم إلى موكب الكفار مع المشركين سواء ; ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل الله على رسوله من الحق ; وفي موقف الامتناع عن الدخول في الإسلام الذي لا يقبل الله من الناس دينا سواه . . نجد هذا في مثل قول الله سبحانه:

(لم يكن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين - منفكين حتى تأتيهم البينة) . .

(إن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين - في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) .

(لقد كفر الذين قالوا:إن الله ثالث ثلاثة) . .

(لقد كفر الذين قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم) . .

(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) . .

فهو تعبير مألوف في القرآن , وحكم معهود . . وهو يأتي هنا للتفرقة بين فريقين من الذين قالوا:إنا نصارى ; وللتفرقة بين موقف كل فريق منهما تجاه الذين آمنوا ; وللتفرقة كذلك بين مصير هؤلاء وأولئك عند الله . . هؤلاء لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين وأولئك أصحاب الجحيم . .

وليس كل من قالوا:إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا) . . كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها إنما هذا الحكم مقصور على حالة معينة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضا , ولا ملامحها مجهلة , ولا موقفها متلبسا بموقف سواها في كثير ولا قليل . .

ولقد وردت روايات لها قيمتها في تحديد من هم النصارى المعنيون بهذا النص:

أورد القرطبي في تفسيره:"وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه , لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن اسحاق وغيره - خوفا من المشركين وفتنتهم ; وكانوا ذوي عدد ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه , حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار , قال كفارقريش:إن ثأركم بأرض الحبشة فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا له برجلين من ذوي رأيكم يعطيكم من عنده , فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة بهدايا . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك , فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي ; فقدم على النجاشي , فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين , وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم . ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن , فقرأ سورة"مريم"فقاموا تفيض أعينهم من الدمع . فهم الذين أنزل الله فيهم: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا:إنا نصارى) وقرأ إلى (الشاهدين) [ رواه أبو داود . قال:حدثنا محمد بن مسلمة المرادي , قال:حدثنا ابن وهب . قال:أخبرني يونس عن ابن شهاب , عن أبي بكر عبدالرحمن بن الحرث بن هشام . وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير:أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة . وساق الحديث بطوله ] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت