والحمد لله الذي هدى البابا شنودة إلى ما يشبه الاعتذار ( وهو غير كاف بأي حال) ، فقد نزع مؤقتا فتيل انفجار يعلم الله ماذا كان يمكن أن يحدث لو انفجر، ولقد كان فيما صدر عن البابا من شبه اعتذار كابحا لإجراءات كانت قد بدأت في الظهور. وكانت ستنال الأقباط وتمسهم مسا مباشرا. إجراءات كالمقاطعة الاقتصادية، حيث يسيطر المسيحيون على 60% من اقتصاد الإسكندرية، و 40% من اقتصاد مصر، وعلى غير ما يدعي عملاء المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وجل أقباط المهجر، لعنهم الله أينما كانوا، على غير ما يدعون، فإن المسيحيين يتمتعون في مصر بوضع لا تتمتع به أي أقلية في العالم، إلا الأقليات الخائنة تحت سيف الطاغوت ( كما كان البيض في جنوب أفريقيا واليهود في العالم العربي) .. أقول أن ما يجب أن يحرص عليه الأقباط هو المحافظة على الوضع الذي وصلوا إليه، و أن يدركوا أن هذا الوضع يحمل أشد الغبن للمسلمين، الذين يشكلون الأغلبية الساحقة. و أن يدركوا، أن العالم الإسلامي، و إن كان غير قادر على الانتصار فهو غير قابل للتلاشي. و أن هذه الخاصية ستدور به مع الزمان حتى يجيء النصر الموعود، ولقد كان البابا شنودة، شديد الوعي بذلك حين منع الأقباط من زيارة القدس، حتى لا يكونوا أول من خان. ولقد كان موفقا في هذا، للدرجة التي جعلت تقدير كثير من المسلمين له، يفوق تقديرهم لشيخ الأزهر، فنحن مأمورون ألا يجرمنّا الشنآن ألا نعدل، ومأمورون أن نحكم بالظاهر، و ألا نشق عن قلوب الناس. وليس في هذا مبالغة، ولا مخالفة للولاء والبراء، ولا موالاة لغير مسلم على مسلم، بل لقد أدرك الضمير الجمعي الديني للأمة، أن الناس سبعة: أولها المؤمن وثانيها المسلم وثالثها الكتابي المسيحي ورابعها الكتابي اليهودي وخامسها المشرك والكافر وسادسها المرتد أما سابعها فهو المنافق الذي هو في الدرك الأسفل من النار، و أن ضمير الأمة يضع البابا في المركز الثالث، بينما يضع بعض شيوخنا - دون تعيين - في المركز السابع.
أقول أن البابا منع باعتذاره مقاطعة اقتصادية كانت ستؤذي الأقباط بلا شك، كما أنه كبح شعورا راح يتنامى بعد أن منعه الحياء من ذلك، شعور بالغبن، وبالمهانة، و بأن الحكومة الضعيفة، فاقدة الحس والنخوة والكرامة، تستجيب للمسيحي مهما كان افتراؤه وظلمه، وتتنكر للمسلم مهما كان حقه.
وكان من ضمن ما يحرك هذا الشعور هو أن تعداد الأقباط لا يزيد عن ستة في المائة، و أن الحكومات المتعاقبة، الحكومات العاجزة الفاسدة العميلة، تتعمد عدم ذكر النسبة مجاملة للأقباط أو خوفا منهم، هذا الشعور لو وصل إلى غايته فسوف يطالب بحصر دقيق للأقباط، وسوف يتجاوز على سبيل المثال عن أن يحصل الستة في المائة على 10% أو حتى 12% من الاقتصاد لكن ليس أكثر، كما سوف يطالب بالتعامل وفقا للعرف الدولي، الذي يتجاهل بالكامل الأقليات الإسلامية في دول العالم، حتى لو وصلت هذه الأقليات إلى 30 أو 35% دون أي تمثيل على أي مستوى، بل سيطالب بإعطائهم تمثيلا يوازي تمثيل المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا أو ألمانيا، حيث تتقارب نسبة المسلمين هناك مع نسبة المسيحيين في مصر.
لقد كتبت ذات مرة أن تعداد النصارى في مصر يكاد يصبح لغزا، ليس لأنه مجهول ، لكن لأن هناك طريقة طريفة في النصب والاحتيال لا يتبعها إلا نصاب محترف، ذلك أن عدد الأقباط في مصر منذ الحملة الفرنسية إلى الآن يتراوح ما بين 5-6% من عدد السكان (حوالي أربعة ملايين نصراني) ويأتي النصابون من النصارى والعلمانيين الأشرار الذين يتملقونهم نكاية في الإسلام، ليخلطوا بين الرقمين: رقم العدد ( وهو هنا أربعة ملايين) وبين النسبة ( وهي هنا 6%) . ففي المرحة الأولى يتم استعمال رقم النسبة المئوية بدلا من العدد فيكون تعداد النصارى ستة ملايين نسمة ( وليس أربعة ملايين أو 6% من عدد السكان) لكننا إذا ما حسبنا النسبة المئوية التي يشكلها الرقم المغلوط وهو الستة ملايين لوجدناهم يمثلون 8% من عدد السكان، وهو الرقم الذي يستعمل مع النسبة المئوية بشطب ما نشاء من طرفي المعادلة ليكون تعدادهم في المرحلة التالية ثمانية ملايين، لكن الثمانية ملايين لا يساوون 8% من عدد السكان بل 12%، يستعمل هذا الرقم عدة أسابيع ثم يتحول إلى أن عدد النصارى 12 مليون نسمة، وبعد عدة أسابيع من الحداثة ونسيان الماضي يكتشفون أن 12مليون مسيحي يشكلون 18% من السكان.. وهكذا دواليك .. حتى وصل الرقم الآن إلى 25% من عدد السكان نصارى.
وبهذه الطريقة لا يبقى سوى عدة خطوات ليكون النصارى هم الأغلبية في مصر..
وخطوات أخرى لتصل نسبة المسيحيين إلى 100% من الشعب المصري.
وفي مصر - بالذات- يمكن للنسبة أن تزيد عن 100%!!..
ورغم أن الدراسات العلمية الصادرة مؤخرا من باحثين مسيحيين لبنانيين تتحدث عن تعداد مسيحيي العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج بأقل من عشرة ملايين، ورغم أن جميع الإحصائيات الرسمية المصرية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الإحصاء المعلن الأخير عام 1986 تؤكد على أن نسبة الأقباط من عدد سكان مصر شبه ثابتة ، وتتراوح حول 6% ، فإن البعض لا يكف عن التشكيك في صحة هذا الرقم، وللأمانة فإن منع إعلان الدولة للأرقام الإحصائية للسكان في العقد الأخير هو نوع من المجاملة للكنيسة .
في بحث علمي رصين أورده الدكتور محمد مورو في كتابه القيم: يا أقباط مصر انتبهوا - الناشر: المختار الإسلامي- حرر المسألة بأسلوب علمي خلصها من الأكاذيب التي تنشر عنها وتنثر حولها.
يقول الدكتور مورو ( بتصرف واختصار) : موضوع القضية همس يدور وشائعات تبذر في الظلام بأن الأقلية القبطية في مصر قد بلغ تعدادها أربعة ملايين ثم إذا بالرقم يرتفع إلى ستة ملايين ثم إلى ثمانية ملايين ويرتب مثيرو هذه الشائعات على هذا الادعاء حقوقا يضمنوها منشورات لم تعد سرا تداولتها الأيدي. والسؤال هو كيف وصل مثيرو هذه الشائعات إلى هذه الأرقام الإحصائية. والرد العملي يكمن في مناقشة هذا الادعاء في هدوء وموضوعية، ومع ذلك فلأي مواطن أن يطعن في هذه البيانات الرسمية أمام جهات الاختصاص كالمحكمة الدستورية أو مجلس الدولة مؤيدا دعواه بالأدلة القانونية، ولكن هذا الإجراء، الذي يبدو أنه الإجراء الوحيد لإثبات الحقيقة، هو الإجراء الوحيد الذي تجنبه الأقباط طول الوقت، ولقد طالبوا بكل شيء معقولا كان أم غير معقول، خائنا كان أم شديد الخيانة، لكنهم لم يتورطوا قط في أن يطلبوا - على سبيل المثال - إجراء تعداد للسكان تحت إشراف الأمم المتحدة. تجنبوا ذلك لأنهم يدركون أنه لو حدث، فسوف يكشف كذبهم ويدحض ادعاءهم ويفضح مؤامرتهم.
لكن.. ماذا تقول الإحصاءات الرسمية عن نسبة الأقباط بين السكان؟
-أجرى أول تعداد في مصر على أسس علمية نظامية في أول يونيه 1897 بإشراف من دولة الاحتلال للتعرف على التركيبة الحقيقية للمجتمع المصري وأشرف على عملية الإحصاء المستشار المالي البريطاني مستر ألبرت بوانه وساعده في متابعة العملية عدد من الموظفين الإنجليز.
-في هذا الإحصاء بلغ مجموع سكان مصر 9.734.405 نسمة منهم 8.977.702 من المسلمين أي بنسبة 92.23% والباقي من المسيحيين واليهود، وفي هذا التعداد\\ كانت نسبة الأقباط الأرثوذكس: 7.3%.