فهل أراد البابا إذن أن يحاور خصومه من البروتستانت، الذين صارعهم طوال حياته، من طريق القول بأن اللاهوت المسيحي واحد؛ منذ صار العهد القديم في القرن الثاني الميلادي كتابًا يونانيًا (في الترجمة السبعينية بالإسكندرية) ، ومنذ وجد العهد الجديد صيغة يونانية على يد بولس الرسول كما ذكر هو في محاضرته؟
إن كان هذا مراده فقد أخطأ الهدف أيضًا؛ لأن البروتستانت ما لبثوا أن سايروا الحداثة والعلمانية واليهودية في التخلص من الطابع اليوناني الخفيف للعهد القديم، والطابع الهيلليني (الغنوصي) للعهد الجديد. ثم إن الكنائس البروتستانتية الكبرى تكاد تخلو الآن من المؤمنين والأتباع الذين جرفتهم الإنجيليات الجديدة المندفعة وراء ارتعاشات التجربة المباشرة مع السيد المسيح نفسه، من دون لاهوت ولا كتاب!.
وإذا كان البابا لا يخاطب الحداثيين الذين ما عاد للدين مكان في حياتهم، ولا البروتستانت والإنجيليين الجدد، الذين لا يأبهون كثيرًا بالمشيج اليوناني القديم أو المتأخر، فمن يخاطب إذن؟ لنلخص محاضرة البابا أولًا، ولنحاول فهمها من الداخل، ثم لنعد إلى محاولة تأمل مقاصده وغاياته.
خلاصة محاضرة البابا
يبدأ البابا المحاضرة بتذكر نفسه أستاذًا للاهوت بجامعة بون عام 1959، حيث كان يلتقي بزملائه البروتستانت، وتدور بينهم حوارات حول إمكان التلاقي؛ لأن بالجامعة المذكورة كليتين إحداهما للاهوت الكاثوليكي والأخرى للاهوت البروتستانتي. ثم يختار بدء موضوعه في العقل والإيمان باقتباس من الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني باليولوغوس ذكره في معرض مجادلته لعالم فارسي مسلم مفترض، مؤداه أن الله ذو طبيعة عاقلة، ولذلك فإن الإيمان بالنسبة له يرتبط بالعقل، وهو يقصد بذلك الإرادة الحرة العاقلة. والبابا (مستندًا إلى عادل تيودور خوري عالم اللاهوت الكاثوليكي المعروف، ذي الأصل اللبناني، والذي نشر جدالات مانويل الثاني أو محاورته مع المسلمين) يذكر أن فكرة لاعنفية الذات الإلهية، وبالتالي تعقلها، آتية من الفلسفة الإغريقية (اليونانية) .
ولليونان معنيان اصطلاحيان. فالتقليد اليوناني في المسيحية هو التقليد الديني الأرثوذكسي، والأرثوذكسية هي دين الإمبراطور مانويل صاحب الجداليات. لكن البابا يختار المعنى الثاني للاصطلاح دون مبرر: اليونان القدامى الذين صنعوا التقليد الفلسفي المعروف من خلال الثلاثي المشهور، الذي يذكره البابا خلال محاضرته: سقراط وأفلاطون وأرسطو. وأقول إن اختيار البابا للمعنى الثاني فيه تحكم؛ لأن هؤلاء الفلاسفة ما كانوا مسيحيين، ولا علاقة لهم بتجربة المسيح غير العنيفة؛ في حين أن التقليد الديني الأرثوذكسي معاد للعنف باسم الدين - وقد كان الأولى به أن يتبناه بدلًا من نسبة عدم العنف إلى تأثير أفلاطون! ولا شك أن الإمبراطور مانويل نفسه لو كان حيًا وقرأ كلام البابا لتعجب وأغرب ضاحكًا؛ لأن العنف الديني الذي أطلقته الكنيسة الكاثوليكية (البابا أوربان الثاني عام 1095م) ضد الشرق الإسلامي، نال أول ما نال بشواظه الأرثوذكسية، إذ احتل الفرسان الصليبيون القسطنطينية وظلوا فيها مستعمرين لأكثر من خمسين عامًا وباسم المسيح العنيف وليس المسالم أو العاقل!.
بعدها تابع البابا المحاضرة بعرض تأويل جديد للعهد القديم، خلاصته أنه تأغرق (صار حضاريًا!) بعد ترجمته لليونانية، فيتجنب بذلك صورة يهوه العنيفة في التوراة - أما يونانية العهد الجديد غير العنيفة فآتية من بولس الرسول الذي قصد مقدونيا استنادًا لرؤيا رآها (مقدونيا اليونانية؟ اليونان القدامى ما كانوا يعتبرونها كذلك، ويقولون: إن الإسكندر المقدوني الذي فتح أثينا كان متوحشًا!) - كما أن يونانية الإنجيل آتية أيضًا من لغته الأولى المعروفة (ربما كتبت الأناجيل في الأصل بالآرامية لغة المسيح، أو بالعبرية، لكن أقدم نسخ الإنجيل كما انتشر في العالم مصوغة باليونانية، وتعود إلى عام 225م ) ، والذي تبدأ إحدى نسخه القانونية بالعبارة المشهورة: في البدء كان الكلمة (اللوغوس) ، وكان الكلمة الله. وهنا يوحد البابا بين الألوهية والكلمة (أي المعرفة) زالنوس (أي العقل) . وما اجتمعت الفلسفة الأفلاطونية المسالمة والمعرفة والعقل إلا في مقدونيا على يد بولس الرسول؛ ولذلك فإن المسيحية ما"تحضرت"في المشرق حيث ظهرت، بل في أوروبا؛ ومن هنا تأتي الهوية المسيحية لأوروبا التي تبادلت التكوين والصناعة معها: المسيحية الأوروبية، وأوروبا المسيحية!.
وأحسب أن هذا التفسير المبتكر للطرفين: المسيحية وأوروبا كان سيسر الشيخ ابن تيمية صاحب الكتاب الجدالي الكبير ضد المسيحية:"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، والذي قال فيه: ما تنصرت الروم (والروم في الاصطلاح القرآني والعربي هم البيزنطيون اليونان) ، لكن النصرانية تروَّمت! كما أنه سيسر - أو سُرَّ ولا شك - الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، الذي ترأس لجنة صاغت الدستور الأوروبي الميت، وكان في مقدماته: أن الهوية العميقة لأوروبا مسيحية (وهذا لا بأس فيه) ؛ ثم رتب على ذلك أن تركيا المسلمة إن دخلت الاتحاد الأوروبي فإن ذلك سيفسد الهوية المسيحية الخالدة فسادًا لا صلاح بعده! وهذا هو رأي البابا الحالي الذي ذكره قبل ثلاث سنوات في خضم نقاشات ذاك الدستور، وكان وقتها ما يزال رئيسًا لمجمع العقيدة أو الإيمان بالفاتيكان، واسمه الكاردينال جوزف راتسينجر. ويزعم الأتراك أن حبه المفقود لهم يعود لأيام مطرانيته على ميونيخ، واستغرابه للباس نساء العمال الأتراك أو لحجابهن!.
التاريخ اللاهوتي وصورة الله
بعد الترابط الذي استنتجه البابا بين العقل اليوناني والمسيحية وأوربا، ينصرف لقراءةٍ شخصية بعض الشيء للتاريخ اللاهوتي، وصورة الله التي يفترضها في المسيحية. فاللاهوت الكاثوليكي"الأصلي"هو لاهوت اللوغوس أو لاهوت العقل والإيمان (باستثناء قلة نادرة لا حكم لها مثل دونز سكوتوس) . وهو يذكر بين أركان ذاك اللاهوت أوغسطينوس وتوما الأكويني. وأوغسطين أفلوطيني غنوصي فعلًا. وليس الأمر كذلك مع توماس إكويناس.
فتوما الأكويني الذي صنع اللاهوت السكولائي (المدرسي) للكاثوليكية أخذ الخلطة اللاهوتية من الغزالي في مواجهة ابن رشد. وفي تلك الخلطة دخل اليونان (أرسطو بالذات) دخولًا تنظيميًّا من طريق إقامة اللاهوت (علم الكلام عند المسلمين) على المنطق الصوري. فالصوفية المسيحية صوفية أفلاطونية وأفلوطينية، أما اللاهوت الرسمي (شأنه في ذلك شأن علم الكلام لدى المعتزلة والأشاعرة) فهو قائم على منطق أرسطو. وقد يكون هذا هو المقام الصحيح لقراءة"صورة الله العاقلة"عند البابا، الذي هو في الأصل أستاذ لاهوت كاثوليكي كبير فعلًا؛ ولذلك يجب تتبع تأويله اللاهوتي للتاريخ المسيحي الوسيط بعناية.
في المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية لاهوتان، وكذلك في الإسلام واليهودية. أما في البروتستانتية فهناك لاهوت واحد. اللاهوتان هما - إذا صح التعبير-: لاهوت الرحمة والعناية والفضل، ولاهوت التنزيه والعدل. وهذان التياران موجودان في اليهودية والإسلام أيضًا؛ في حين أن البروتستانتية لا تعرف غير لاهوت الرحمة والنعمة والاصطفاء؛ الذي يتخذ سمة متشددة مثلما هو لدى بعض اللاهوت اليهودي. وسنعود لذلك لاحقًا.