(مسألة: الإيمان بالقدر هل هو متعلق بتوحيد الربوبية، أو بالألوهية، أو بالأسماء والصفات؟
الجواب: تعلقه بالربوبية أكثر من تعلقه بالألوهية والأسماء والصفات، ثم تعلقه بالأسماء والصفات أكثر من تعلقه بالألوهية، وتعلقه بالألوهية أيضا ظاهر; لأن الألوهية بالنسبة لله يسمى توحيد الألوهية، وبالنسبة للعبد يسمى توحيد العبادة، والعبادة فعل العبد; فلها تعلق بالقدر، فالإيمان بالقدر له مساس بأقسام التوحيد الثلاثة.). [1]
وقال الشيخ محمد أمان بن علي جامي علي: (هكذا يتضح أن مدار القضاء والقدر وما يترتب عليهما إنما هو على أسماء الله وصفاته بصرف النظر عن نوع المقضي والمُقدّر.
فكل ذلك من الله ومن آثار أسمائه وصفاته. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والشأن كل الشأن في فقه ذلك: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) [2] . [3]
(فلو قيل إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم:(إن لله تسعة وتسعين اسمًا من حفظها دخل الجنة) [4] هو إدراك آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى إدراك آثارها في الكون بما يقضيه الله ويقدره وفي النفس البشرية والتصرفات الإنسانية اليومية وغيرها ثم التزام التعبد بآثار كل اسم دون أن يحجبه التعبد بآثار اسم معين عن التعبد بآثار أسمائه الأخرى، لو قيل: إن هذا من معاني الحديث لما كان هذا القول بعيدًا فيما يبدو لي. [5]
ولو كنت أعلم أن لي سلفًا في هذا المعنى لاخترته وأيدته. وإن كان تحقيقه صعبًا، ولكنه يسير على من يسره الله عليه. فالجنة سلعة غالية، فثمنها ليس في متناول كل أحد، (حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات) [6] [7] .
(1) القول المفيد على كتاب التوحيد / الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى 1421 هـ) ، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، محرم 1424 هـ. 2/ 429.
(2) قلت: (صحيح) رواه الامام احمد في المسند والشيخان عن معاوية، ورواه الامام احمد في المسند والترمذي عن ابن عباس، ورواه ابن ماجة عن أبي هريرة. وانظر غير مأمور، الروض النضير 1149، والسلسلة الصحيحة 1194 للشيخ الالباني.
(3) قلت: انظر غير مأمور مدارج السالكين لابن القيم الجوزية -1/ 418 - 422، فصل المشهد الثامن مشهد الأسماء والصفات/ تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1416 هـ -1996 م.
(4) قلت: رواه البخاري (6410) ومسلم (2677) .
(5) قلت: قال الشيخ محمد رشيد رضا - صاحب المنار: (أي من أحصاها حفظًا لمعانيها وعلمًا بها وإيمانًا، أو من استخرجها من كتاب الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يزداد بها إيمانًا ومعرفة بربه عز وجل، ويدعوه بها، أو من أطاق العمل بما تهدي إليه من الكمال والبر، أو من أخطرها بباله وتفكر في معانيها عند ذكرها بتلاوة القرآن والأذكار المأثورة خاشعًا معتبرًا متدبرًا راغبًا راهبًا ... ولك أن تقول به كله ... ) . مجلة المنار (17/ 738) .
وقال الشيخ السعدي: (وقوله تعالى:(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف/180) ، يشتمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
أما دعاء المسألة: فإنه يسأل الله تعالى في كل مطلوب باسم يناسب ذلك المطلوب ويقتضيه، فمن سأل رحمة الله ومغفرته دعاه باسم الغفور الرحيم. ومن سأل الرزق سأله باسم الرزاق، وهكذا.
وأما دعاء العبادة: فهو التعبد لله تعالى بأسمائه الحسنى، فيفهم أولًا معنى ذلك الاسم الكريم، ثم يديم استحضاره بقلبه، حتى يمتلئ قلبه منه.
فالأسماء الدالة على العظمة والجلال والكبرياء تملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا لله تعالى.
والأسماء الدالة على الرحمة والفضل والإحسان تملأ القلب طمعًا في فضل الله ورجاءً لرَوْحِه ورحمته.
والأسماء الدالة على الود والحب والكمال تملأ القلب محبة وودًا وتألهًا وإنابة لله تعالى.
والأسماء الدالة على سعة علمه ولطيف خبره توجب للعبد مراقبة الله تعالى والحياء منه.
وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرن نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية.
فنسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين وأجود الجوادين). ينظر: القواعد الحسان في تفسير القرآن / العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -القاعدة الحادية والخمسون، المكتبة الالكترونية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، الإصدار الثالث، إعداد موقع روح الإسلام: www.islamspirit.com.
(6) قلت: الحديث (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) رواه الامام احمد في المسند والامام مسلم في صحيحه والترمذي عن أنس، والامام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، ورواه الامام احمد في الزهد عن ابن مسعود موقوفا.
قال الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر الحديث / 3147 في صحيح الجامع.
(7) الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه / الشيخ أبو أحمد محمد أمان بن علي جامي علي (المتوفى 1415 هـ) ، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1408 هـ، ص 381 - 382.