فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الهواء، فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا، ففعل به بنوه لما مات ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البر فجمع ما فيه فإذا هو قائم، فسأله الله عن ذلك، فقال: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: يا رب! مخافتك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فغفر الله له).
فهذا الرجل ما أنكر قدرة الله، وما أنكر البعث، وإنما أنكر كمال تفاصيل القدرة، وظن أنه إذا أحرق وذري لا يقدر الله عليه، وهو يعلم أنه لو لم يفعل به ذلك فإنه سيبعث، يقول: إذا ما أحرقتموني بعثني الله، لكن أحرقوني وذروني فلا يقدر الله على بعثي، والذي حمله على ذلك أمران: الجهل وخوف العذاب؛ لأن هذا الأمر خفي بالنسبة إليه، فلما كان الذي حمله عليه الجهل والخوف العظيم من الله غفر الله له.
فالشيء الخفي قد يعذر صاحبه، بخلاف الشيء الواضح، فلو أنكر أحد البعث كفر، أو أنكر قدرة الله كفر، وهذا مؤمن بالله ومؤمن بقدرة الله، وظن أنه إذا أحرق وذري في البر والبحر لا يقدر الله عليه، فكذلك القدرية حصلت لهم هذه الشبهة). ?ھ [1]
وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية القدرية إلى ثلاثة أقسام فقال: (وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية.
فالمجوسية، الذين كذّبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدتهم أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.
والفرقة الثانية: المشركية، الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال الله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ) (الانعام 148) ، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدّعي الحقيقة من المتصوفة.
والفرقة الثالثة: الإبليسية، وهم الذين أقروا بالأمرين، [2] لكن جعلوا هذا تناقضًا من الرب سبحانه وتعالى، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر مثل ذلك عن إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب). [3]
(فالقدرية المجوسية: هم المعتزلة، شابهوا المجوس في نسبة الخلق لغير الله سبحانه وتعالى، كما أن المجوس نسبوا للظلمة مخلوقات.
والقدرية المشركية: هم الجبرية؛ لأن المشركين احتجوا بالقدر على الشرك وقالوا: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النحل 35) .
والقدرية الإبليسية: هم الذين يعترضون بالقدر على دين الله عز وجل وشرعه، وهم الزنادقة في الحقيقة، وسماهم ابن تيمية رحمه الله بذلك؛ لأن إبليس اعترض على الله عز وجل بالقدر أيضًا). [4]
(1) دروس في العقيدة - رقم الدرس (2) / الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي / دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية: http://www.islamweb.net
(2) قلت: أي القدر والشرع.
(3) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع / شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق الدكتور محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة السادسة 1421 هـ / 2000 م. ص 207 - 208.
(4) دراسة موضوعية للحائية ولمعة الاعتقاد والواسطية / الشيخ عبد الرحيم بن صمايل العلياني السلمي، المصدر: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، رقم الدرس /10. http://www.islamweb.net