الصفحة 39 من 163

ومن هذا الشرك: [1] شرك أهل وحدة الوجود؛ كابن عربي، وابن سبعين، وغيرهم الذين يقولون: إن الخالق عين المخلوق؛ فعطلوا لله عز وجل عن أن يكون رب العالمين، ولم يفرقوا بين رب، وعبد.

2 -شرك التمثيل:

تعريفه: هو التسوية بين الله وخلقه في شيء من خصائص الربوبية، أو نسبتها إلى غيره عز وجل. [2]

ومن الأمثلة عليه: [3] شرك النصارى الذين اتخذوا معه أربابا، فجعلوه ثالث ثلاثة؛ وشرك المجوس القائلين بأن للعالم ربين أحدهما خالق للخير، والآخر خالق للشر؛ وشرك الصابئة الذين زعموا أن الكواكب هي المدبرة لأمر العالم؛ وشرك القدرية (مجوس هذه الأمة) القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه؛ وشرك عباد القبور الذين يزعم أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت، فتقضى الحاجات، وتفرج الكربات، وتنصر من دعاها، وتحفظ من لاذ بحماها. ومثلهم مزاعم غلاة الصوفية في الأولياء: أنهم ينفعون ويضرون ويتصرفون في الأكوان إلخ). ?ھ [4]

المبحث الرابع: القدرية والشرك الخفي

(القدرية شركهم في الربوبية شرك خفي، وليس شركًا عامًا، فهو شرك فيه تأويل، حيث حصلت لهم الشبهة، وهو زعمهم أن المعاصي إذا خلقها الله لا يستقيم أن يعذب عليها، والمعروف عند العلماء أن القدرية مبتدعة.

والقدرية طائفتان:

الطائفة الأولى: القدرية الأولى، وهم الغلاة الذين أنكروا علم الله وكتابته، فهؤلاء كفار؛ لأن مراتب القدر أربع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، والإرادة والمشيئة، والخلق.

فالقدرية الأولى الذين أنكروا المرتبتين الأوليين - العلم والكتابة - كفار؛ لأن من أنكر العلم فقد نسب الله إلى الجهل، وهذا كافر بالإجماع، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا.

أما القدرية المتأخرون فيقرون بعلم الله، وأن الله كتب الأشياء، وأن الله أراد الأشياء، وأن الله خلق الأشياء كلها، لكن بالنسبة لأفعال العباد خاصة حصلت لهم الشبهة بتأويل، ولو كان معتقدهم إنكارًا من دون تأويل لكان كفرًا، لكنه عن تأويل بسبب الشبهة التي عرضت لهم، بخلاف الأمور الواضحة، مثل شرك العبادة، كعبادة القبور، والنذر لغير الله، والذبح لغير الله، ودعاء غير الله، فهذه أمور واضحة لا لبس فيها ولا إشكال.

ومما يبين أن الشيء إذا كان خفيًا قد يعذر صاحبه ما ثبت في الصحيحين في مواضع متعددة من قصة الرجل الذي كان من بني إسرائيل، [5] فقال لبنيه: (إني أسرفت على نفسي، وإني أخاف أن يعذبني الله عذابًا شديدًا،

(1) انظر الدين الخالص لصديق حسن خان 1/ 315.

(2) انظر المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للدكتور إبراهيم البريكان ص 147.

(3) انظر: تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص 55 - 57، 70. والجواب الكافي لابن القيم 231 - 232. وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 1/ 38. وتوحيد الربوبية لمحمد إبراهيم الحمد ص 21 - 25.

(4) المفيد في مهمات التوحيد / الدكتور عبد القادر بن محمد عطا صوفي - دار الاعلام، الطبعة الأولى 1422 هـ -1423 هـ. ص 112 - 113. وانظر غير مأمور، تسهيل العقيدة الإسلامية / الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن حمادة الجبرين، دار العصيمي للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ص 152 - 154.

(5) قلت: جاء في صحيح البخاري / باب الْخَوْفِ مِنَ اللهِ.

6480 - عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ فَقَالَ لأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَفَعَلُوا بِهِ فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ قَالَ مَا حَمَلَنِي إِلاَّ مَخَافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ.

6481 - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ، أَوْ قَبْلَكُمْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، يَعْنِي أَعْطَاهُ قَالَ - فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ قَالُوا خَيْرَ أَبٍ قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا - فَسَّرَهَا قَتَادَةُ لَمْ يَدَّخِرْ - وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللهِ يُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي، أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي، ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي فِيهَا فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي فَفَعَلُوا فَقَالَ اللَّهُ كُنْ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ مَخَافَتُكَ، أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ - فَمَا تَلاَفَاهُ أَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ.

قلت: والحديث رواه الامام مسلم في صحيحه/ 7084 - (27 - 2757) ، ورواه ابن حبان في صحيحه / ذِكْرُ رَجَاءِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا لِمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ حَالَةُ خَوْفِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى حَالَةِ الرَّجَاءِ، وهو في التعليقات الحسان للشيخ الالباني / الحديث 648 و 649.وانظر غير مأمور طرق الحديث في السلسلة الصحيحة للشيخ الالباني / الحديث 3048.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت