(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يقول: وهو على كل شيء ذو قدرة، يقول: يخلق ما يشاء، ويميت من يشاء، ويغني من أراد، ويفقر من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ولا يتعذر عليه شيءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرة التامة التي لا يُعجزُه معها شيء). [1]
وقال الشيخ السعدي: (هذه الآيات الكريمات، مشتملات على جملة كثيرة واسعة، من أوصاف الباري العظيمة، فذكر كمال ألوهيته تعالى، وسعة غناه، وافتقار جميع الخلائق إليه، وتسبيح من في السماوات والأرض بحمد ربها، وأن الملك كله لله، فلا يخرج مخلوق عن ملكه، والحمد كله له، حمد على ما له من صفات الكمال، وحمد على ما أوجده من الأشياء، وحمد على ما شرعه من الأحكام، وأسداه من النعم، وقدرته شاملة، لا يخرج عنها موجود، فلا يعجزه شيء يريده) . [2]
وقال ابن كثير: (هذه السورة هي آخر المسبحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها؛ ولهذا قال:(له الملك وله الحمد) أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره.
وقوله: (وهو على كل شيء قدير) أي: مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع، وما لم يشأ لم يكن). [3]
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
(والملك والحمد في حقه متلازمان فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده، فهو محمود في ملكه، وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروجُ شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته، ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، لينبّه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمودٌ على كلّ ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناءٍ ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله، ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله:(أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الاعراف 54) .
فالحمد أَوسع الصفات وأَعم المدائح والطرق إِلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إِلى اعتباره في ذرّات العالم وجزئياته وتفاصيل الأَمر والنهى واسعة جدًا، لأَن جميع أَسمائه تبارك وتعالى حمد، وصفاته حمد، وأَفعاله حمد، وأَحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أَعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أَوليائه حمد، والخلق والأَمر إِنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هي حمده فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره فيه أَمر مشهود بالأَبصار والبصائر: فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أَسمائه وصفاته، وإقرار العبد بأَن للعالم إِلهًا حيًا جامعًا لكل صفة كمال واسم حسن وثناءٍ جميل وفعل كريم وأَنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذى وسع الأَصوات والبصر الذى أَحاط بجميع المبصرات والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات والملك الأَعلى الذى لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغنى التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهود آثارها في الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات، واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أَفعاله، وليس له من يشركه في ذرة من ذرات ملكه، أَو يخلفه في تدبير خلقه، أَو يحجبه عن داعيه أَو مؤمليه أو سائليه، أَو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أَو فرية أَو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك، ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأَسره:
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا الله لَفَسَدَتَا) (الأنبياء 22) . [4]
(1) التعليقات السنية على العقيدة الواسطية / فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى 1376 هـ) ، تحقيق عبد الإله بن عثمان الشَّايع، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1427 هـ -2006 م، ص 62.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان /الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى 1376 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420 هـ -2000 م، ص 866.
(3) تفسير القرآن العظيم / أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى 774 هـ) ، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420 هـ -1999 م، 8/ 135.
(4) طريق الهجرتين وباب السعادتين / محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، دار السلفية، القاهرة -مصر، الطبعة الثانية، 1394 هـ، ص 125.