بد من ظهور آثارها في الوجود فإن من أسمائه الخلاق المقتضي لوجود الخلق، ومن أسمائه الرزاق المقتضي لوجود الرزق والمرزوق، وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو وكذلك الرحمن الرحيم وكذلك الحكم العدل إلى سائر الأسماء، ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود، والوجود متضمن لخلقه وأمره (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف/54) فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره، فمصدر الخلق والأمر عن هذين المتضمنين لهاتين الصفتين، ولهذا يقرن سبحانه بينهما عند ذكر إنزال كتابه وعند ذكر ملكه وربوبيته، إذ هما مصدر الخلق والأمر ولما كان سبحانه كاملا في جميع أوصافه ومن أجلها حكمته كانت عامة التعلق بكل مقدور كما أن علمه عام التعلق بكل معلوم ومشيئته عامة التعلق بكل موجود، وسمعه وبصره عام التعلق بكل مسموع ومرئي، فهذا من لوازم صفاته فلا بد أن تكون حكمته عامة التعلق بكل ما خلقه وقدره وأمر به ونهى عنه وهذا أمر ذاتي للصفة يمتنع تخلفه وانفكاكه عنها كما يمتنع تخلف الصفة نفسها وانفكاكها عنه .... ) [1]
قلت: خلاصة القول، إن احصاء الاسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، لأن العلوم كلها راجعة إما الى الخلق وإما الى الامر، وهذان صادران عن اسمائه سبحانه وتعالى.
الحادي عشر: أن أسماءه كلها حسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلا، وقد تقدم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل، نحو: الخالق والرزاق والمحيي والمميت، وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها، لأنه لو فعل الشر لاشْتُقَ له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، وهذا باطل، فالشر ليس إليه فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته لا يدخل في أفعاله، فالشر ليس إليه، لا يضاف إليه فعلا ولا وصفا وإنما يدخل في مفعولاته، وفرق بين الفعل والمفعول، فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأمل هذا فإنه خفي على كثير من المتكلمين، وزلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. [2]
قال ابن القيم: (والشر ليس إليك، أي لا يضاف إليك ولا ينسب إليك ولا يصدر منك، فإن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وأفعاله كلها فضل وعدل وحكمة ورحمة ومصلحة، فبأي وجه ينسب الشر إليه سبحانه وتعالى، فكل ما يأتي منه فله عليه الحمد والشكر وله فيه النعمة والفضل.) [3]
قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخميس: (الخير والشر كلاهما مخلوقان مقدَّران لله تعالى، لا يكون شيء منهما إلا بإذنه، فهو خالقهما جميعا، وهذا قول أهل السنة، غير أن الشر لا يضاف إليه على انفراد لما فيه من توهُّم النقص والعيب.) [4]
وبالجملة فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة وعدل، والشر ليس اليه. [5]
(1) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة / محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ) ، المحقق: علي بن محمد الدخيل الله، الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة الأولى، 1408 هـ. ج 4/ ص 1563 - 1565.
(2) بدائع الفوائد - 1 / ص 287 - 288. وانظر الحديث (والخير في يديك، والشر ليس إليك) رواه الإمام مسلم في صحيحه - 771، من حديث علي رضي الله عنه.
(3) مدارج السالكين، نسخة الكترونية إعداد موقع روح الإسلام www.islamspirit.com .
(4) اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث / الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخميس، نسخة الكترونية، موقع الإسلام، http://www.al-islam.com
(5) انظر غير مأمور بدائع الفوائد / ابن القيم الجوزية 2/ 726 - 718. والعواصم والقواصم / ابن الوزير 7/ 207 - 228؛ فانه مهم.