الصفحة 41 من 155

... فانظر إلى هذا الحديث العظيم فإن حاطبًا - رضي الله عنه - وقع في أمر خطير وهو التجسس على جيوش المسلمين وموالاة الكفار ظاهرًا وهي معصية قد تصل بصاحبها إلى الكفر ، إلا أنها في حق حاطب ليست بكفر ؛ لأنه نفى عن نفسه موالاة الكفار في الباطن ، فهي معصية فقط ، ولهذا اعتبرت مكفرة في حقه ؛ لأنه من أهل بدر الذين غفر الله لهم ولو كان كفرًا لما كفره حضوره بدرًا ؛ لأن الكفر والشرك لا تكفره إلا التوبة النصوح ، فعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمرهم ألا يقولوا له إلا خيرًا ؛ لأن حكم فعله وهو المعصية لم ينطبق عليه ، فحاطب لم يسمى عاصيًا بهذا الفعل بل فعله معصية ، وفرق بين قولنا فعل معصية وقولنا وهو عاصٍ ، فإن ما فعله حاطب لم يصبه حكمه لوجود المانع وهو شهوده بدر ، فإن شهوده بدرًا جعل كالكفارة لهذه المعصية ، والله أعلم .

... الخامس: ما ورد في تفسير قوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } الآية .

... فقد روى غير واحدٍ من أصحاب الكتب المعتمدة أن عمارًا عذبته قريش عذابًا شديدًا لينال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنال منه مكرهًا فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باكيًا فقال له: (( ما يبكيك يا عمار ) )؟ فقال: فعلوا بي كذا وكذا من العذاب على أن أنال منك فنلت منك . فقال له: (( يا عمار كيف تجد قلبك ) )؟ قال: مطمئنًا بالإيمان . فقال: (( إن عادوا فعد ) ).

... فهنا فعل وفاعل ، فأما الفعل فهو النيل من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أي بالسب والشتم ، وهذا الفعل لاشك أنه كفر ، وأما الفاعل الذي هو هنا عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - فلاشك أنه لم ينطبق عليه حكم هذا الفعل ، وذلك لوجود مانع وهو الإكراه بالتعذيب الشديد ، فمجرد وقوع عمار - رضي الله عنه - في فعل هو كفر لم يستلزم ذلك أن يكفر ؛ لأنه لا تلازم بين حكم الفعل وحكم الفاعل ، فالفعل شيء والفاعل شيء آخر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت