-قَالَ الله تَعَالَى: (قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني)
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:
(فالدعوة إِلَى الله هِيَ الدعْوَة إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَت بِهِ رسله, وَذَلِكَ يتَضَمَّن الدعْوَة إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت وَالْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت والايمان بِالْقدرِ خَيره وشره والدعوة إِلَى أَن يعبد العَبْد ربه كَأَنَّهُ يرَاهُ فَإِن الدَّرَجَات الثَّلَاث وَهِي الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان دَاخِلَة فِي الدّين.
وأصل الدّين عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ كَمَا اتّفق على ذَلِك جَمِيع الرُّسُل قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون) فالدين وَاحِد وَإِنَّمَا تنوعت شرائع الْأَنْبِيَاء ومناهجهم قَالَ تَعَالَى: (لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا) .
فالرسل متفقون فِي الدّين الْجَامِع لِلْأُصُولِ الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وَالْيَوْم الآخر، والعملية كأعمال الْعِبَادَة الْعَامَّة الْمَذْكُورَة فِي سور الْأَنْعَام والأعراف وَبني إِسْرَائِيل، كَقَوْلِه تَعَالَى: (قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم) إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث وَقَوله تبَارك وَتَعَالَى: (وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه) إِلَى آخر الْوَصَايَا وَقَوله: (قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد) وَقَوله: (قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق) .
فالدعوة إِلَى الله الْأَمر بِعِبَادَتِهِ وَحب كل مَا أحبه وَمن أحبه وبغض كل مَا أبغضه الله وَرَسُوله من بَاطِن وَظَاهر فَمن الدعْوَة إِلَى الله النهى عَمَّا نهى عَنهُ ولا تتم الدعْوَة إِلَى الله إِلَّا بذلك سَوَاء كَانَ من الْأَقْوَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة أَو من الْأَعْمَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة كالتصديق بِمَا أخبر بِهِ الرَّسُول من أَسمَاء الله وَصِفَاته والمعاد وَمَا أخبر بِهِ عَن سائر الْمَخْلُوقَات كالعرش والكرسي وَالْمَلَائِكَة والأنبياء السَّابِقين وأممهم وأعدائهم كإخلاص الدّين لله وَأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وكالتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وخشية غَضَبه وعذابه وَالصَّبْر لحكمه وأمثال ذَلِك وكصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَالْوَفَاء بالعهد وصلَة الْأَرْحَام وَحسن الْجوَار وكالجهاد فِي سَبِيل الله بِالْقَلْبِ وَالْبدن وَاللِّسَان.
إِذا تبين ذَلِك فالدعوة إِلَى الله وَاجِبَة على من اتبع الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على طَرِيقه وهم أمته الَّذين يدعونَ إِلَى الله تَعَالَى كَمَا دَعَا هُوَ إِلَيْهِ ويتناول الْأَمر بِكُل مَعْرُوف والنهى عَن كل مُنكر كَمَا وَصفهم الله تَعَالَى بقوله: (كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر) وَهَذَا وَاجِب كفائى على كل الْأمة إِن قَامَ بِهِ طائفة سقط عَن البَاقِينَ
فمجموع أمته تقوم فِي الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ إِجْمَاعهم حجَّة قَاطِعَة فَلَا تَجْتَمِع أمته على ضَلَالَة، وكل وَاحِد من الْأمة يجب عَلَيْهِ أَن يقوم من الدعْوَة بِمَا يقدر عَلَيْهِ إِذا لم يقم بِهِ غَيره فَيجب على كل من يقدر على شيء أَن يَدْعُو إِلَيْهِ من تَعْلِيم الْعلم وَالْجهَاد وَالْعَمَل وتبيين الْأَمر وَغير ذَلِك.
والدعوة إِلَى الله هِيَ الدعْوَة إِلَى سَبيله وسبيله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَصْدِيقه فِيمَا أخبر وطاعته فِيمَا أَمر وَقد تبين أَنَّهُمَا واجبان على كل فَرد من أَفْرَاد الْمُسلمين وجوب فرض الْكِفَايَة.
وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ من الدعْوَة والواجبة وَغَيرهَا بِثَلَاثَة شُرُوط كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث يَنْبَغِي لمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر أَن يكون فقهيا فِيمَا يَأْمر بِهِ فَقِيها فِيمَا ينْهَى عَنهُ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمر بِهِ رفيقا فِيمَا ينْهَى عَنهُ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمر بِهِ حَلِيمًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ.
فالتفقه ليعرف بِهِ والرفق ليسلك بِهِ وَهُوَ أقرب الطّرق لتَحْصِيل الْمَقْصُود والحلم ليصبر على الْأَذَى فكثيرا مَا يحصل لَهُ الْأَذَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: (واصبر على مَا أَصَابَك) بعد أَن قَالَ: (وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر) ، وَقَوله تَعَالَى لنَبيه: (ولربك فاصبر) ، وَقَوله: (واصبر على مَا يَقُولُونَ) ، وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَالسّنة). [1]
(1) مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، 310 - 312.