الصفحة 31 من 175

في القلب وقد يراد به مجرد اللفظ وقد يراد به مجرد المعنى فإنه من الكلام؛ والكلام اسم للفظ والمعنى، وقد يراد به أحدهما؛ ولهذا كان من ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره لكن ذكره بهما أتم. والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه وأمر بالتسبيح باسمه كما أمر بدعائه بأسمائه الحسنى؛ فيدعى بأسمائه الحسنى ويسبح اسمه وتسبيح اسمه هو تسبيح له؛ إذ المقصود بالاسم المسمى؛ كما أن دعاء الاسم هو دعاء المسمى. قال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) . والله تعالى يأمر بذكره تارة وبذكر اسمه تارة؛ كما يأمر بتسبيحه تارة وتسبيح اسمه تارة؛ فقال: (اذكروا الله ذكرا كثيرا) (واذكر ربك في نفسك) وهذا كثير. وقال: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) كما قال: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) . لكن هنا يقال: بسم الله؛ فيذكر نفس الاسم الذي هو ألف سين ميم وأما في قوله: (واذكر اسم ربك) فيقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله. وهذا أيضا مما يبين فساد قول من جعل الاسم هو المسمى. وقوله في الذبيحة (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) كقوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وقوله: (بسم الله مجراها ومرساها) فقوله: (اقرأ باسم ربك) هو قراءة بسم الله في أول السور.

وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن هذه الآية تدل على أن القارئ مأمور أن يقرأ بسم الله وأنها ليست كسائر القرآن؛ بل هي تابعة لغيرها وهنا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم كما كتب سليمان وكما جاءت به السنة المتواترة وأجمع المسلمون عليه؛ فينطق بنفس الاسم الذي هو اسم مسمى لا يقول بالله الرحمن الرحيم؛ كما في قوله: (واذكر اسم ربك) فإنه يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ونحو ذلك وهنا قال: (اقرأ باسم ربك) لم يقل: اقرأ اسم ربك وقوله: (واذكر اسم ربك) يقتضي أن يذكره بلسانه. وأما قوله: (واذكر ربك) فقد يتناول ذكر القلب. وقوله: (اقرأ باسم ربك) هو كقول الآكل باسم الله. والذابح باسم الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله) . وأما التسبيح فقد قال: (وسبحوه بكرة وأصيلا) وقال: (سبح اسم ربك الأعلى) وقال: (فسبح باسم ربك العظيم) . وفي الدعاء: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) فقوله: (أيا ما تدعوا) يقتضي تعدد المدعو لقوله (أيا ما) وقوله: (فله الأسماء الحسنى) يقتضي أن المدعو واحد له الأسماء الحسنى وقوله: (ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) - ولم يقل ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن - يتضمن أن المدعو هو الرب الواحد بذلك الاسم.

فقد جعل الاسم تارة مدعوا وتارة مدعوا به في قوله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) فهو مدعو به باعتبار أن المدعو هو المسمى وإنما يدعى باسمه. وجعل الاسم مدعوا باعتبار أن المقصود به هو المسمى وإن كان في اللفظ هو المدعو المنادى كما قال: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) أي ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم والمراد إذا دعوته هو المسمى؛ أي الاسمين دعوت ومرادك هو المسمى: (فله الأسماء الحسنى) . فمن تدبر هذه المعاني اللطيفة تبين له بعض حكم القرآن وأسراره فتبارك الذي نزل الفرقان على عبده فإنه كتاب مبارك تنزيل من حكيم حميد لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء من ابتغى الهدى في غيره أضله الله ومن تركه من جبار قصمه الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو قرآن عجب يهدي إلى الرشد أنزله الله هدى ورحمة وشفاء وبيانا وبصائر وتذكرة. فالحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. آخره ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم). [1]

في الاسم والمسمى

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: (هل هو هو أو غيره؟ أو لا يقال هو هو ولا يقال هو غيره؟ أو هو له؟ أو يفصل في ذلك؟. فإن الناس قد تنازعوا في ذلك والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة بعد أحمد وغيره والذي كان معروفا عند أئمة السنة أحمد وغيره: الإنكار على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة.

(1) مجموع الفتاوى 6/ 206 - 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت