مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ قَالَ لَا يَجُوز الدُّعَاءُ إلَّا بِالتِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ اسْمًا
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:
(مسألة: فيمن قال: لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسما، ولا يقول: يا حنان يا منان، ولا يقول: يا دليل الحائرين، فهل له أن يقول ذلك؟
الجواب: الحمد لله. هذا القول وإن كان قد قاله طائفة من المتأخرين، كأبي محمد بن حزم، وغيره فإن جمهور العلماء على خلافه، وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها، وهو الصواب لوجوه:
أحدها: أن التسعة والتسعين اسما لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر ما عند الناس فيها، حديث الترمذي، الذي رواه الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث، وفيها حديث ثان أضعف من هذا، رواه ابن ماجه، وقد روي في عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف، وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن.
وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به، لم يمكن أن يقال هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها، لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور، ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين.
الوجه الثاني: أنه إذا قيل تعيينها على ما في حديث الترمذي مثلا، ففي الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث، مثل: اسم (الرب) فإنه ليس في حديث الترمذي، وأكثر الدعاء المشروع إنما هو بهذا الاسم، كقول آدم: (ربنا ظلمنا أنفسنا) (الأعراف/23) ، وقول نوح:) رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) (هود/47) ، وقول إبراهيم: (رب اغفر لي ولوالدي) (نوح/28) ، وقول موسى: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي) (القصص/16) ، وقول المسيح: (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء) (المائدة/114) . وأمثال ذلك، حتى أنه يذكر عن مالك وغيره، أنهم كرهوا أن يقال: يا سيدي، بل يقال: يا رب؛ لأنه دعاء النبيين وغيرهم كما ذكر الله في القرآن.
وكذلك اسم (المنان) [1] ففي الحديث الذي رواه أهل السنن، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع داعيا يدعو: (اللهم إني أسألك بأن لك الملك أنت الله المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى) . وهذا رد لقول من زعم أنه لا يمكن في أسمائه المنان.
وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه لرجل ودعه قل: يا دليل الحائرين دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين.
وقد أنكر طائفة من أهل الكلام، كالقاضي أبي بكر، وأبي الوفا بن عقيل أن يكون من أسمائه (الدليل) [2] لأنهم ظنوا أن الدليل هو الدلالة التي يستدل بها، والصواب ما عليه الجمهور؛ لأن الدليل في الأصل هو المعرف للمدلول، ولو كان الدليل ما يستدل به فالعبد يستدل به أيضا، فهو دليل من الوجهين جميعا.
(1) قلت: جاء في الحديث:
عن أنس: أنه كان مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالسًا، ورجلٌ يصلي، ثم دعا: اللهم! إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا انت، المنَّان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والاكرام! يا حي يا قيوم! فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لقد دعا الله باسمه العظيم؛ الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى) . روىه ابو داود في السنن /1342، وقال الشيخ الألباني في سنن ابي داود: (حديث صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي) . قلت: وانظر غير مأمور: السلسلة الصحيحة /3411.
(2) قلت: هو من باب الخبر، وقد قال الشيخ الالباني:(فالله تبارك وتعالى دليل الحائرين، ولكن لم يأت هذا في أسمائه تبارك وتعالى لا في الكتاب ولا في السنة فالأولى عدم قيامه، نحن نقول مثلًا: الله موجود، وهذا تعبير عن حقيقة قائمة ووجوده ليس
كوجود المخلوقات لكن ليس من أسمائه تعالى أنه موجود، كما أننا قد نقول بالنسبة لرب العالمين أنه سخي لكن لا نسميه؛ لأنه ليس من أسمائه السخي وإنما هو الكريم وعلى هذا نلتزم الوقف في أسمائه تبارك وتعالى).إهـ نقلا عن رحلة النور، (31 ب/00:04:26) ، دروس صوتية.