الصفحة 14 من 175

والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فأثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات). [1]

وقال: (وأما الرسل صلوات الله عليهم فطريقتهم طريقة القرآن، قال سبحانه وتعالى:(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ? وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ? وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الصافات/180 - 182) .

والله تعالى يخبر في كتابه أنه: حي، قيوم، عليم، حكيم، غفور، رحيم، سميع، بصير، علي، عظيم، خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وكلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا، يرضى عن المؤمنين، ويغضب على الكافرين إلى أمثال ذلك من الأسماء والصفات.

ويقول في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى/11) ، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص/4) ، (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم/65) ، (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) (البقرة/22) ، فنفى بذلك أن تكون صفاته كصفات المخلوقين، وأنه ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في شيء من صفاته ولا أفعاله، (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ? تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء/43 - 44) .

فالمؤمن يؤمن بالله، وما له من الأسماء الحسنى، ويدعوه بها، ويجتنب الإلحاد في أسمائه وآياته، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) (الأعراف/180) ، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) (فصلت/40) ، وهو يدعو الله وحده، ويعبده وحده لا يشرك بعبادة ربه أحدا، ويجتنب طريق المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ? أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (الإسراء/56 - 57) .

وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ? وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سبأ/22 - 23) .

وهذه جمل لها تفاصيل، ونكت تشير إلى خطب جليل.

فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والإيمان، وليتخذ الله هاديا ونصيرا، وحاكما ووليا، فإنه نعم المولى ونعم النصير، وكفى بربك هاديا ونصيرا.

وإن أحب دعا بالدعاء الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول:(اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) [2] وذلك أن الله تعالى يقول: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) (البقرة/213) أي: فاختلفوا، كما في سورة يونس [3] وقد قيل: إنها كذلك في حرف عبد الله [4] : (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة/213 ) ) . [5]

(1) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، 2/ 394 - 395، باختصار.

(2) قلت جاء في الاصل: (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، الحديث رقم(770) ، (1/ 534 ) ) .

(3) قلت جاء في الاصل: (يشير إلى قوله تعالى:(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) (يونس/19) ، وقد أثبتها في المطبوعة في المتن، لكن النسخ المخطوطة لم تذكرها كما هو مثبت).

(4) قلت جاء في الاصل: (يعني في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر: تفسير ابن جرير(2/ 194، 195 ) ) .

(5) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم/ تحقيق ناصر عبد الكريم العقل، 2/ 397 - 399.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت