للأفلاطونية الجديدة .. ولا يخفى التأثر الكبير لابن باجة بالفيلسوف الفارابي، ثم تأثر ابن طفيل وابن رشد بابن باجة .. ويبرز تفكير ابن باجة في"الأرض"كتفكير نسقي يربط بين الجمادات والكائنات الحية، وموقع الإنسان في الكون، وقد اعتبر الحيوان كشريك للإنسان على الرغم من تميز الإنسان بالنظر العقلي، وهذا يقع في صلب ما يسمى في أدبيات"الفلسفة البيئية"المعاصرة بأخلاق الأرض.
وهو غير هذا وذاك مؤول كبير ساهم بكيفية منطقية، في بعث نصوص قديمة لأرسطو من مرقدها وأحسب أن المشاكل التي وضعها الأقدمون تعد بمعنى من المعاني مشاكل خالدة، لذلك اعتبرها ابن باجة جديرة بالشرح والتأويل والاستدعاء فأعمل"الكلام"فيها ..
ويبدو من خلال"رسالة الوداع"لابن باجة التي كان وجهها إلى تلميذه أبي الحسن علي السرقسطي قبيل رحلته إلى المشرق، وقد بث ابن باجة في هذا الكتاب دُررا فلسفية بعيدة الغور والمقصد، وتكلم فيها عن الارتقاء بالإنسان من نوازع الفردية إلى مرتبة الإتحاد بالعقل الكوني، وهو هنا يذكرنا بما سيقوله الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي من بعده:"خرج الإنسان من رحم الطبيعة بالكون، وسيعود إليها بالوعي"، وآمن صاحبنا ابن باجة أن التقرب إلى الذات العلية لا يكون إلا بالفلسفة والعلم، وهذه مسألة تبدو بديهية ضمن النسق الفكري لابن باجة، وقد نشر"رسالة الوداع"المستعرب العلامة الإسباني ميكيل آسين بالاثيوس مع ترجمة إسبانية سنة 1943م بمدريد، وقد رفد الإنسانية بعمل فلسفي كبير ..