إذن ابن البنّا واضح تمام الوضوح هنا: باب الجمع هو أصل نظرية الأعداد، وباب الضرب هو أصل باب النسبة والتناسب، وهو كما يوضح ذلك يفضل باب الضرب نظرا لكونه ينسجم مع تصوره للرياضيات كوسيلة لحل مشكلات المدينة الإسلامية، -تأمل كيف يرى ابن البنّا إتقان الرياضيات كمدخل لحل مشكلات العمران، هذه هي روح الحضارة بامتياز- وبذلك أيضا في باب النسبة من كتاب تلخيص أعمال الحساب ركز على الأربعة أعداد المتناسبة؛ لأنها أصل جميع النِّسب، ومن تمكن منها يكون قد ملك زبدة علم الحساب -تأمل منهج ابن البنا في تلقين الحساب-، أو كما يقول هو نفسه:"ومن أحاط علما بها فقد علم ملاك علم الحساب وأصله، وسنبين كيف ترجع كل نسبة منها إليها، فهي القاعدة العظيمة المنفعة في الحساب وفي غيره. إذن التناسب -حسب ابن البنا- هو القاعدة العظيمة في الحساب وفي غيره كذلك."
ولقد أكد ابن البنّا بقوة على فكرة التناسب، ليس فقط في كتبه الرياضية، بل كذلك في كتبه المنطقية، حيث يقول في كتابه"شرح الكليات في المنطق":"العالم إنما هو نسبة في علم الله سبحانه، غير مجعولة بجعل جاعل؛ لأن علم الله قديم، ثم عرض للعالم ظهور بعضه لبعض، وهو المعبر عنه بالحياة الدنيا، وهذه مرتبة زائلة بمرتبة البرزخ، وتلك زائلة بمرتبة الحياة الآخرة. فالعالم لم ينتقل في المراتب الزائلة، إذ لا ثبوت لها إلا به، وإن كان هو يزول عنها إذا زالت عنه. وكل واحد يجد من نفسه أنه هو الذي كان صغيرا وكبر، وأنه الذي كان نائما واستيقظ، وأنه"