ومنها: أنه لم ينل حظه من الشهرة، ولولا تلميذه أبو العباس ما عرفه أحد، وذلك راجع إلى حال المغاربة مع أوليائهم وعلمائهم، فكم ضيعوا من العلماء والأولياء الذين كانوا يرحل إليهم، و يستسقى بهم الغمام، فما عرفوا بهم ولا ذكروا للمتأخرين شيئا من أخبارهم، فضاع بذلك خير كثير، وفوائد، وعلوم. وقد نص على ذلك جماعة منهم الإمام الكبير اليوسي في المحاضرات. ولنشرع الآن في ذكربعض أخباره:
هو، كما وصفه معاصروه، آية من آيات الرحمن، ونادرة من نوادر الزمان، قدوة السالكين، ومنارة الواصلين، من أشرقت له أنوار الحقيقة، وظهرت له أسرار الطريقة أبو عبد الله سيدي محمد بن أحمد بوزيد البوزيدي الغماري السلماني الحسني رضي الله عنه.
ولد بقبيلة بني سلمان الغمارية في بيت عبادة وصلاح، فحبب إليه الإنقطاع إلى الله، والإعتماد عليه، منذ أول نشأته، ولوحظ عليه حب الإنعزال عن الخلق، منذ صغره.
ولما حفظ القرآن وجوده، أخذ يسيح في الخلوات، ويجول في الأرض، مع الزهد والورع والتوكل على الله، فلازم خلوة في ضواحي طنجة، بساحل البحر، إلى أن جاءه رجل من أولياء الغيب فقال له: إن حاجتك بفاس، وشيخك هومولاي العربي الدرقاوي قدس الله سره، فسأل عنه فدل عليه، فلما قرع عليه الباب، خرج إليه الشيخ، ونظر إليه، وقال له: أنا أنتظرك منذ كذا وكذا، فلقنه الورد، وبقي معه نحو ستة عشر عاما، يخدم شيخه بنفسه، وينفق عليه من ماله، مع الأدب الرفيع، والتواضع، وطرح النفس، وترك التدبير والإعتراض، مع خراب الظاهر بالمجاهدة، وقطع المألوف، مع