في البحث الذي قدمته للمؤتمر الثالث للآثار بالبلاد العربية [1] كنت أثرت الحديث عن «اللوحة» التي اكتشفت بالبلاط الأوسط في أثناء أعمال الترميم التي جرت بجامع القرويين منذ سنوات وقد كانت تحمل اسم داود بن إدريس وتاريخ سنة 263 وكنت تساءلت عن مملكة الإمام داود، وكان قصدي دون ريب من هذا التساؤل هو أن نصل إلى إلقاء بعض الضوء على هذه المرحلة «القلقة» من تاريخنا القديم، وبعد هذا كنت نشرت كلمة [2] ثانية أجدد فيها الأسئلة مرة أخرى وافترض مع هذا «شريطا» على ضوء الأحداث وحاولت أن افهم أن الإمام داود ظل بعد وفاة يحيى الأول مسيطرا على فاس سيما وقد خسر يحيى الثاني ورقته بها، سيما أيضا ودولة خلفه على مجهولة البدء والنهاية، وانه أي داود استمر إماما إلى أن كانت دولة يحيى الثالث الذي اغتيل سنة 292 ... وكانت مجرد فروض تهدف إلى «نبش» دفائن التاريخ في انتظار أن أتوفر على ما يبعث «الحقيقة» من مرقدها ... وسرني أن يجد البحث صداه ولو في طائفة جد قليلة ممن يجدون «هواية» في التاريخ وها نحن اليوم نقف على بعض المصادر الأخرى فيها بعض النصوص التاريخية، وفيها «نقود ادريسية» وفيها تعاليق لبعض الأساتذة الأجانب ممن عنوا بالدراسات التاريخية ... وأحب بادئ ذي بدء أن أتصفح أمامكم «كتاب البلدان» لأحمد ابن أبي يعقوب ابن واضح المعروف باليعقوبي والمتوفى أواخر القرن الثالث الهجري [3] لقد قال وهو يتحدث «أيام شبابه» عن ممالك المغرب: «وممن [4] مملكة صالح بن سعيد الحميري يصير إلى مملكة بني إدريس ابن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهم السلام، وأول حد مملكتهم بلد يقال له غميرة (؟) بها رجل يقال له عبد الله
(1) مجلة دعوة الحق عدد يناير 1960 ص 45. فصلة من مجلة كلية الآداب جامعة الإسكندرية. العدد الرابع عشر 1960. ص 61 - 88.
(2) مجلة التربية الوطنية العدد الرابع سنة 1960 ص 19 - 20.
(3) الإعلام للأستاذ خير الدين الزركلدي المجلد الأول ص 90.
(4) ص 137 من كتاب البلدان. طبعة ليدن سنة 1890.