والتنقيب على ما ضاع أو تداعى من موازينها وألوانها، وصيانة ما تبقى لنا منها من الآثار، واحاطتها بكل ما يقيها من الانحلال والاندثار.
ومن البديهي أن الحفاظ على هذه الموسيقى، وما تحتوي عليه من فنون القول والنغم، صنوف اللحن والكلم لا يقتضي نشر هذا التراث فحسب، ولكنه يقتضي الاستمساك بالطرق الفنية والمادية التي كان يؤدي بها، والتشبث بالإطار والشكل الذي وصل به إلينا، وعدم محاولة إرضاء رغبات الجماهير والعوام بالتضحية بالنوبة والإنشاد والمقام.
وإني أغتنم هذه المناسبة لأطلب من أخينا الحاج عبد الكريم، وبكل إلحاح، بذل مزيد من الجهد لاحترام تقاليد أداء هذه الموسيقى، والعض بالنواجد على طرق العزف والغناء الجماعيين، والإكثار من الإنشادات المشهورة الباهرة في مختلف صنعات"الآلة"المعروفة الزاهرة حتى لاتنقرض وتضيع، كما انقرضت عدة أنغام وألحان من هذه الموسيقى، والإعراض بكل قوة وإصرار، وبحزم واستمرار، عن المواويل المتداولة هنا وهناك، خصوصا في الحفلات الوطنية الكبرى والمهرجانات الدولية العظمى، وإني أقدر موقف الحرج الذي أضع فيه أخانا الحاج عبد الكريم، الذي تضطره رغبة بعض إنصاف المثقفين والهواة، وكثير من الرعاع والعوام إلى توقيف السير الطبيعي، والأداء العادي لكل ميزان من موازين نوبات هذه الموسيقى، وقضاء أوقات طويلة في سماع مواويل لأصلة لها بموسيقى"الآلة"سوى إطلاق العنان، والسماح في اطمئنان وأمان، دون وعي ولا إمعان للزج بهذا الفن الأصيل في هرج ومرج، وصيحات لا تخلو من ضوضاء لم يحك لنا تاريخ طرب"الآلة"لها من مثيل، والتي لا نعدو الحقيقة العلمية إذا قلنا بأنها من باب الغزو الموسيقي، والتيار الفني الشرقي والغربي والتي لا نرى مانعا في اعتبارها من باب الفن الدخيل.