اعتبر أن الرأسمالية إنما خرجت من رحم الفيودالية والنظام الإقطاعي، وهو ما لم يسعفه كثيرا في حالة أطروحته عن المغرب ما قبل الكولونيالي، والذي لم تفرز فيه الفيودالية نمطا في تراكم رأس المال يذكر.
والرجل فتح عينيَّ، وأعين زملائي في الكلية، على رواد في الفكر الاقتصادي والاجتماعي، لا يستقيم الفهم والمعنى إلا بالرجوع إلى مؤلفاتهم واستحضار آرائهم، فنصحنا بقراءة كتب فرناند بروديل وإيمانويل فالرشتاين، وأشار علينا بضرورة الاطلاع على الفكر الماركسي بكل تموجاته، ولم يكن يأبه لمستوانا عندما كان يمتحننا كتابيا عن هؤلاء، ولكأنه يعمد إلى إذكاء فهمنا وتحصينه من هذه القراءة الاختزالية أو تلك.
أنا هنا، وبما سبق، لا أثني على أستاذ لي أعترف له بالجميل في جزء كبير من تكويني الأكاديمي، بل أثني من خلاله أيضا على طينة من أساتذة كان العلم لديهم مقرونا بالموقف، والتحليل ملازما للموضوعية والرأي ملازما للقناعة.
لذلك، فعندما عمل الرجل في جمعية «بدائل» ، ثم التحق بجماهير حركة 20 فبراير الاحتجاجية، فهو لم يكن يبحث عن موطئ قدم، ولا كان يرسم لبلوغ مغنم، بل كان ينطلق من قناعات ثابتة لديه مفادها أن الأحزاب باتت مترهلة، والمخزن متجبر، واللعبة السياسية في رمتها ملغومة، والحل الأنجع لتجاوز كل ذلك لا يتأتى إلا من خلال ضغط المجتمع المدني، وتدافع موازين القوى في الفضاء العام.