إن علاقتنا باللغة تتحدد انطلاقا من الكيفية التي بسببها ننتمي إلى الخصوصية من حيث إننا ما نحتاج إليه، وربما أمكننا حسب هيدغر أن نهيئ بدرجة قليلة تغير علاقتنا باللغة. ويمكن أن تنبعث تجربة يكون فيها كل تفكير متمعن شعرا، وفي الوقت نفسه كل شعرا تفكيرا ... وهنا يستشهد هيدغر بإعجاب ب"فيلهلم فون هومبولت"الذي يقول:
"... قد يمكن لشعب بفضل كشف داخلي ومساعدة ظروف خارجية أن يمنح اللغة الموروثة صورة أخرى بحيث تصبح بذلك لغة مغايرة وجديدة تماما" [22] . ويقول في موضع آخر:
"دون تغيير اللغة في أجراسها ولا بكيفية أقل في أشكالها وقوانينها. كثيرا ما يدخل الزمن إلى اللغة، بفضل تطور طبيعي في الأفكار وقوة متصاعدة في التفكير وقدرة للإحساس أكثر عمقا ونفاذا، أشياء لم تكن تمتلكها من قبل ذلك. حينئذ يتم وضع معنى آخر في الغلاف نفسه، إعطاء شيء مغاير تحت الطابع نفسه والإلماح إلى مسار للأفكار له تدرج مخالف حسب قوانين الربط نفسه. إن ذلك هو الثمرة الدائمة لأدب شعب، ولكن على أفضل وجه ضمنه للشعر والفلسفة" [23] .
لن تغدو اللغة العربية إذن موطن وجود إلا بالقدر الذي تتغير فيه علاقتنا بهذه اللغة، على نحو تغدو فيه أكثر استجابة لحاضرنا، أي أن تغدو مستجيبة لتجربة العيش، فتنفصل بذلك عن عالم الأعرابي، ونظامه المعياري، وتغير علاقتنا باللغة هو مدخل حداثتنا، ومعنى ذلك فالتفكير من خلال هذه اللغة لا يعني سوى التفكير من خلال لغات متعددة تعيش بجوارها مما يعني اختراق بنيتها النسقية، وتفكيك مجالها التداولي.