ما أخذه من أفواه الرجال لا يزيد عن المبادئ الضرورية المعتادة التي تلقاها في صغره، التميز حاضر عنده في كل شيء: في تكوينه، في اهتماماته، في إشعاعه. حصد حظا وافرا من الثناء، سماه أحدهم صاعقة العلم، ونعته بعضهم بالمطلع الداهية، واختار له آخر لقب شيخ فلاسفة المغرب. وكلها نعوت تحمل في طياتها معاني النبوغ.
رزق الرافعي استعدادا فطريا عجيبا للاستيعاب والفهم، ومقدرة فائقة على امتلاك العلم، وبكثرة المطالعة والاستغراق في النظر والبحث استعاض عن قلة الأساتذة والتلقي إشعاعه العلمي لا يعزى لكتب ألفها أو تصانيف وضعها، إنما نبعت شهرته من أسماره، وأحاديثه ومناظراته، ومحاوراته العلمية التي أدهشت عقول جلسائه وندمائه وغدت حديث القاصي والداني. ذاع صيته في الأوساط العلمية عبر مراسلاته الحافلة بالقضايا المثيرة، والمسائل العويصة، والاستشكالات الدقيقة التي أنتجها تفكيره، فاستفزت عقول معاصريه، وأجمعوا على استحالة صدورها إلا عن عقلية جبارة وطاقة عملاقة.
الرافعي المفكر الفيلسوف
كانت الفلسفة في صدارة اهتماماته العلمية، ولا يكاد الرافعي يذكر إلا واقترنت بذكره الفلسفة، وجد لذته فيها فأقبل عليها بشغف، وأكثر من مزاولتها معلقا على كتبها، دارسا لها دراسة إبستمولوجية معرفية لا اختيارا وموقفا.
حينما ظهر كتاب قصة الفلسفة اليونانية استدرك على أحمد أمين وزكي