وأخيرا طلبت منه أن يتركها لي مدة لقرائتها، كما تضم اللوحات الزيتية التي ظهرت حتى عام 1860 وقرائها كلها، فإذا هي خليط غريب من المفاهيم والملاحظات والإرتسامات المختلفة، وإذا بعضها يرجع أصول فن الفنان المغربي إلى (الواقعية) أو (البدائية) أو (الرمزية) أو غير ذلك من مدارس الرسم المتعددة المختلفة.
أما الشيء الذي اتفق فيه النقاد والمعلقون جميعا فهو أنهم أمام موهبة.
ونتنازل يائسين عن حقنا في البحث عن اسم المدرسة التي ينتمي إليها بناني في فن الرسم، لنمعن النظر في لوحاته، خصوصا اللوحات التي تمثل أشخاصا أو نماذج بشرية كلوحة التائه، واستسلام، والصحراوي الصغير، وحاملة القفة، والمغربية، والشرقي، وبنت الشعب.
إن الأستاذ بناني لا يعني بالملامح بمقدار ما يعني بالإنفعلات والتعابير، انه لا يرسم أشخاصا، وإنما يرسم معانيهم، ومن ثم فانه لا يعني بألوانه العناية الكافية، فإنها جميعا باهتة باردة، قد لا تكاد تحس بها أحيانا، كما
دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 ... ص 51
أنه لا يتقيد بنماذجه، ولا يعنيه مدى بعد المسافة التي تفصل بين شخصياته كما تبدو في لوحاته، وبين واقعها كما تبدو خارج هذه اللوحات، أي خارج إحساسه ووجدانه كفنان.
إن الذي يهم الفنان بناني هو (المعنى) فقط، وهذا المعنى يتجلى لنا بوضوح في لوحاته (التائه) ، انه لا يرسم تائها، وإنما يرسم (( التيه ) )نفسه